إلي الأمام لغتنا الجميلة.. إلي أين؟! العرب في الغيبوبة اللغوية!

بقلم : مجاهد خلف : ستظل لغتنا العربية جميلة ابد الدهر وستزداد جمالا في عيوننا وعقولنا كلما اقتربنا منها اكثر واكثر .ولن تزول الوحشة منها ومعها بالاماني والتمني والتغني فقط.. فالغوص في بحورها المليئة باللآلئ يغري دائما بالمزيد من التعلق والقرب يدثرنا بهاء ويضفي مزيدا من الألق ويمنحنا تيجانا من شرف تميزت به واختالت به علي كل الامم.
والعرب معروفون بأنهم اهل فصاحة وبيان.رغم ماهم عليه الان.فالاصل قائم وموجود والشجرة حية وارفة الظلال ولن يضيرها تساقط بعض اوراق في ليال خريفية اوكثرة الراجمين بالحجارة علي مر الزمان فلن يتجاوزوا محاولة وعل يضرب بقرنه الجبل الأشم.
من الجميل ان يحتفل العالم باللغة العربية واذا كانت الأمم المتحدة تخصص لها يوما فان ابناء العربية عليهم ان يخصصوا لها كل الايام والاوقات تكفيرا عن جرائمهم في حق لغتهم.
لكن السؤال الان هل يحتفي العرب بلغتهم ويقدرونها القدر الواجب باعتبارها عنوانهم ودليل هويتهم وعزتهم وتميزهم بين الامم وقائد حضارتهم ؟!
لا ضير من الاعتراف بحقائق الواقع المر وبأن اللغة أصابها ما أصاب القوم من علل وأمراض وهي العنوان الصحيح والدليل الذي لا يكذب علي حال الضعف والقوة فكلما كانت الامة قوية كانت لغتها ايضا قوية وصوتها قويا مجلجلا واذا ما ضعفت كانت صوتها خافتا ولغتها باهتة.وكما قال ابن حزم:ان اللغة يسقط اكثرها بسقوط همة اهلها!
لقد نسينا صرخات شاعر النيل حافظ ابراهيم وهو من اقوي المدافعين عن اللغة العربية قال:
پاري لرجال الغرب عزا ومنعة
پ وكم عز اقوام بعز لغات!
العرب اليوم غارقون في عدد من الغيبوبات واحدة منها الغيبوبة اللغوية فاصبحوا هم اول من يعتدون علي اللغة ويستبيحون بيضتها ويذرون التراب في وجهها وهي صامدة راسخة رسوخ الجبال الشم.وينسون او يتجاهلون ان اهمال اللغة والعدوان عليها انتهاك للدستور واعتداء علي الشريعة.
اعراض الغيبوبة شاهدة ماثلة امام العيان نجدها ونشاهدها كل يوم وكل لحظة من نهار او ليل.الانتهاك متواصل في اماكن عديدةپ وفي كثير من الاحيان مع سبق الاصرار والترصد.. حتي من جانب من يمكن اعتبارهم حراسا علي اللغة والحاملين للوائها والمدافعين عنها بكل الطرق والوسائل.العدوان مستمر رغم انف القرارات وقوانين الحماية الصادرة , الانتهاك علي اشده في المؤسسات التعليمية مدارس وجامعات في وسائل الاعلام مقروءة ومسموعة ومرئية في دور السينما والمسارح في الشارع العام في اسماء المحلات والشوارع والميادين ووسائل النقل والمواصلات.. في كلمات المسئولين وعلي ألسنة المتحدثين وفي لغة الشباب ومحادثات الشات وعلي وسائل التواصل الاجتماعي.لغة هجين لا هي بالعربية ولا بالاجنبية خليط محير والكثير غارق ما بين العربيز والفرانكوبيز ..حتي بعض من يسمون انفسهم بالمثقفين واشباه المثقفين يخلطون اللغات بطريقة عجيبة ولا يخلو حديث احدهم من كلمة بلغة اجنبية انجليزية او فرنسية مضحكةپ تثير الشفقة او الغثيان رغم انه يقدمها دليلا علي ألمعيته وانه رجل ضليع وبكل الشئون خبير فظيع.
ولا اعرف لغة من لغات العالم تهان من قبل ابنائها مثلما يفعل العرب مع لغتهم وهم يفعلون سواء عن قصد او جهل ما عجز الاستعمار الاجنبي عن القيام به بكل الطرق المباشرة وغير المباشرة.وكم من جولات وحروب وخطط للنيل من اللغة العربية علي مر الدهور ولكنها باءت بالفشل وتحطمت علي نصال العربية اولا وعلي جهود المخلصين من ابنائها في المواقع المختلفة وفي كثير من البلدان ايضا.ولم تفلح اي محاولة للعزل والاقصاء وخاصة اللغة الفصحي او الاستبدال بأية طريقة او طرح افكار لأشكال الحروف والعبث بهاپ باللاتينية اوغيرها كما حدث في تجارب اخري مثلما حدث مع التركية واستبدال الحروف والكتابة من الحرف العربي الي اللاتيني ..او حتي استخدام اللهجات العامية في المخاطبات الرسمية وفي اعمال الدواوين وغيرها.
الغريب في الامر ان يكون هذا الادراك الواعي والعالي للغة وضرورة الحفاظ عليها في تلك الفترات السوداوية وفترات التحدي والمواجهة مع قوي الشر المختلفة.ثم يحدث ما يحدث الان في حق اللغة الاصيلة من اهمال وعدم اهتمام واعطاء الاولوية لتقدم لغات اخري في التعليم علي وجه الخصوص پحتي يكاد المرء يشعر بان اللغة الام العربية لم تعد هي الاصل وان الاهتمام الاكبر بتعلم اللغات وفقط وليس الي جانب العربية حتي كثرت المدارس الاجنبية والجامعات الاجنبية واصبح لها الحظوة والافضلية وينفق الناس من اجلها كل غال ونفيس وتراجعت العربية ومدارسها الي الخلف واصبحت في الخلفية وصارت وباء ووبالا علي المجتمع فضعف الولاء وتضعضع الانتماء.
واستشري الداء حتي في رياض الاطفال وبدلا من ان يتم تعليمهم العربية باتقان تتقدم الانجليزية والفرنسية ويبحث اولياء الامور عن مدرس خصوصي للغات للاطفال وهم غير قادرين علي نطق العربية بطريقة صحيحة والعجيب ان يجد الاطفال تشجيعا وتحفيزا لحب اللغة الاجنبية ولا يحاسبون علي اهمال العربية وعدم اتقانها ..
الاشد غرابة ان يضج الناس بالشكوي من صعوبة اللغة العربية ومناهجها وتجد اصواتهم صدي في التحلل من المناهج شيئا فشيئا وظلوا يخففونها حتي كادوا يفرغونها من كل شيء اللهم من بعض القواعد والنصوص ذرا للرماد في العيون.
وهذه قضايا بالغة الاهمية والخطورة ولابد من الالتفات اليها بجدية خاصة في السعي الحثيث نحو اعادة بناء الشخصية المصرية وفي معركة استعادة الهوية وتأصيلها.فاللغة لابد ان تشغل المكان اللائق واللازم في هذا الاطار باعتبارها مكونا رئيسيا وعنصرا اصيلا في الركائز الاساسية لبناء الشخصية الوطنية.
كل دول العالم تولي اهتما خاصا بلغاتها وتبذل كل الجهود الممكنة في سبيل ترسيخها واعلاء شأنها في نفوس ابنائها باعتبارها عنوان الوطنية الاصيلة وشارتها.
وكل دول العالم المتقدم تعلن النفير العام حينما تشعر بأن اللغة في حالة تراجع ويتم توجيه اللوم للمسئولين اذا اخطأوا في اللغة.بل ان الانجليز والفرنسيين يدفعون اموالا طائلة من اجل نشر لغاتهم والحفاظ عليها وتعليمها في كثير من دول العالم وانشأوا منظمات خاصة للدول الناطقة بلغاتهم الفرنكوفونية والكومنولث نموذجان الهدف في المقام الاول حماية اللغة ودعم تعليمها في تلك البلدان
عندنا الامور اصبحت معكوسة نبحث عن طريقة للتحلل من اللغة واصولها نبتدع السبل الي ذلك مرة بدعوي التخفف واخري للتسهيل ومرات للفذلكة والتنطع والاستظراف وغير ذلك مما يهون امر اللغة في عيون الناشئة وغيرهم حتي هانت علينا اللغة فضعفنا مع ضعفها.
لم يعد احد يشترط في أية وظيفة اتقان اللغة واجادتها حتي في الوظائف القائمة اصلا علي اللغة والتحدث بها والكتابة ايضا لا من المقيمين ولا من الزائرين وهوعكس ما يحدث مع الانجليزية او الفرنسية وغيرها حبث التشدد في درجة الاتقان والنطق ومخارج الحروف وفي الكتابة وقواعد النحو اي تجيد الفرنسية او الانجليزية كابن أهلها ولابد ان تكون حاصلا علي شهادات معينة كالتويفيل مثلا..
تخففنا من شروط اجادة العربية والالتزام بها فأصبح الحال كما نري ونشاهد في كل مكان وعلي الفضائيات وفي القنوات المحلية وغيرها عجز تام في بعض الاحيان عن النطق الصحيح او القراءة السليمة شيء مضحك ومخجل يدعو للأسي والحزن ان يصل حال العربية علي لسان ابنائها والناطقين بها الي هذه الهاوية.
اللغة العربية هي المحراب والمعبد الكبير للسان العربي ولكن للاسف المعبد بلا حراس واهله عنه غافلون لاهون! ولا ندري إلي متي وإلي أين؟!

اقرأ ايضا

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرأ المزيد