ديوان المظالم يحسم الجدل: إنهاء خدمة موظف بسبب “التوقيع والانصراف”.. فما هو المبدأ الجديد؟

يعتقد البعض أن مجرد المرور الصباحي على جهاز البصمة أو التوقيع في السجلات الورقية كافٍ لإسقاط المسؤولية القانونية وحماية الوظيفة، حتى وإن غادر الموظف مقر عمله فوراً. لكن حكماً قضائياً حديثاً، نشره ديوان المظالم، جاء ليقلب هذه المعادلة تماماً، ويرسي مبدأً إدارياً وقانونياً صارماً يغلق الباب أمام أساليب التحايل الوظيفي. فكيف تحول التوقيع اليومي لأحد الموظفين إلى دليل إدانة أدى إلى إنهاء خدماته؟
الواقعة: توقيع مستمر وعمل غائب
بدأت القصة عندما تقدم أحد الموظفين بدعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية بالرياض، مطالباً إحدى الجهات الحكومية بتعويضه المالي جراء الأضرار التي لحقت به بعد قرار فصله وإنهاء خدماته. استندت الجهة الإدارية في قرارها إلى “الانقطاع عن العمل”، لكن الموظف المدعي اعتبر القرار تعسفياً، مبرراً ذلك بأنه كان يحضر يومياً ويقوم بـ “التوقيع في سجلات الحضور والانصراف”.
المفارقة هنا أن الموظف أقر أمام الدائرة القضائية بصحة واقعة الانصراف المباشر؛ فقد كان يوقع لإثبات حضوره ثم يغادر مقر العمل فوراً دون أداء أي مهمة وظيفية لمدة شهر كامل، دافعاً بأن هذا التصرف لا يُصنف قانونياً كـ “انقطاع عن العمل” طالما أن اسمه مسجل في كشوفات الحضور.
ديوان المظالم يتدخل: الحضور ليس حبراً على ورق
عندما نظرت المحكمة الإدارية في الدعوى، لم تتوقف عند الشكل الظاهري للإجراء (وهو التوقيع)، بل غاصت في الجوهر الحقيقي لمعنى “الوظيفة”. وبناءً عليه، أصدرت حكماً برفض دعوى الموظف والمصادقة التامة على قرار الجهة الحكومية بإنهاء خدماته.
ومن خلال نشر ديوان المظالم لملخص هذا الحكم عبر منصاته الرقمية، تم إرساء قاعدة قانونية واضحة لا تقبل التأويل:
- مناط الحضور هو العمل الفعلي: التواجد في مقر العمل يجب أن يقترن بأداء المهمات الوظيفية.
- التوقيع والانصراف يُعد انقطاعاً: مجرد إثبات الحضور شكلياً ثم المغادرة يُعامل قانونياً معاملة الغياب الكامل والانقطاع عن العمل.
- انتفاء الخطأ الإداري: قرار الجهة بإنهاء الخدمة يُعد متوافقاً تماماً مع أحكام النظام، ولا يحق للموظف المطالبة بأي تعويض.
متى يحق للجهة الإدارية إنهاء خدمة الموظف المنقطع؟
لإزالة أي لبس حول النصوص النظامية التي استندت إليها المحكمة، أوضح الحكم الشروط القانونية التي تمنح الجهات الحكومية صلاحية اتخاذ قرار إنهاء الخدمة للموظف المنقطع:
يجوز بقوة النظام إنهاء خدمة الموظف إذا ثبت انقطاعه عن عمله دون عذر مشروع في إحدى الحالتين:
- الانقطاع لمدة 15 يوماً متصلة.
- الانقطاع لمدة 30 يوماً متفرقة.
وبما أن الموظف المذكور كان يوقع وينصرف لمدة شهر كامل (30 يوماً)، فقد انطبقت عليه شروط الانقطاع الموجبة للفصل، ليصبح التوقيع الشكلي بلا قيمة قانونية تحميه.
الخلاصة في نقاط: رسالة حازمة للمتلاعبين
نشر هذا المبدأ عبر المدونات القضائية التابعة لديوان المظالم يحمل دلالات عميقة تنعكس على بيئة العمل الحكومية، يمكن تلخيصها في الآتي:
- نهاية الثغرات: لم يعد التوقيع أو “البصمة” درعاً يحمي الموظف غير المنتج من المساءلة أو الفصل.
- حماية الموارد: الأحكام القضائية باتت تدعم الجهات الحكومية بقوة في التخلص من التسيب الإداري وإهدار الموارد البشرية.
- تعزيز الرقابة: يُلزم هذا المبدأ المديرين والمراقبين بمتابعة الأداء الفعلي للموظفين، وليس فقط مراجعة كشوفات الحضور.
بهذا الحكم، يعيد ديوان المظالم تعريف العلاقة الوظيفية؛ مؤكداً أن الراتب والمزايا هي مقابل لـ “الإنتاجية وأداء المهام”، وليست مكافأة على مجرد تسجيل الحضور الصباحي والانصراف في صمت.



