تقارير وتحليلات

من المسرح إلى الدبلوماسية.. من هي مزنة الأطرش “مستشارة السلام” بالخارجية السورية؟

في خطوة غير مألوفة ضمن أروقة الدبلوماسية السورية، أصدر وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني قراراً لافتاً يقضي بتعيين مزنة ممدوح الأطرش في منصب “مستشارة لشؤون السلام” بالوزارة. هذا القرار لم يمر مرور الكرام، بل فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة هذا المنصب المستحدث، والملفات الشائكة التي ستوضع على طاولة شخصية قادمة من خلفيات فنية، إعلامية، ومدنية.

فكيف استطاعت الأطرش شق طريقها نحو هذا الموقع الحساس؟ وما هي الرسائل السياسية المبطنة وراء اختيار ابنة محافظة السويداء لإدارة ملف “السلام” في هذا التوقيت المعقد؟

المنصب اللغز: هيكلية إدارية قيد التشكيل

حتى اللحظة، لا يزال التوصيف الوظيفي الدقيق لـ “مستشارة شؤون السلام” غامضاً. فبحسب تقاطعات المعلومات من داخل وزارة الخارجية، يُعد هذا الموقع منصباً مستحدثاً بالكامل، ولم يكن له وجود سابق في الهيكلية الإدارية للوزارة.

هذا الغياب للهيكلية الواضحة يترك طبيعة الصلاحيات والملفات التي ستديرها مزنة الأطرش مفتوحة على اجتهادات وتوضيحات رسمية مرتقبة. إلا أن القراءة المتأنية لمسيرتها وتحركاتها الأخيرة تعطي مؤشرات قوية حول المهام التي قد تُسند إليها، والتي تبتعد عن الدبلوماسية الكلاسيكية وتقترب أكثر من الدبلوماسية الناعمة والمجتمع المدني.

من هي مزنة الأطرش؟ (الجذور والمسارات)

لم تكن البدايات الأولى للأطرش توحي بمسار سياسي أو دبلوماسي. وُلدت عام 1987، وتنحدر من محافظة السويداء بجنوب سوريا. نشأت في بيئة فنية بامتياز؛ فهي ابنة الفنان والمخرج المسرحي المعروف ممدوح الأطرش، وشقيقة الفنانة مروة الأطرش.

استندت مسيرتها الأكاديمية والمهنية إلى ركائز ثقافية وإعلامية، أبرزها:

  • خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية (قسم النقد المسرحي).
  • حاصلة على دبلوم في العلوم السينمائية، وإجازة في الإعلام من جامعة الحياة الجديدة.
  • بدأت مسيرتها الإعلامية عام 2008، وتدرجت بين الصحافة المقروءة والقنوات التلفزيونية، وصولاً إلى العمل في التلفزيون الرسمي السوري خلال سنوات الأزمة.

منصات المجتمع المدني والانفتاح على الغرب

التحول الحقيقي في مسيرة الأطرش، والذي مهّد لتعيينها الحالي، يتمثل في انخراطها العميق في قطاعات العمل الإنساني وقضايا المرأة والمجتمع المدني. ترأست مجلس إدارة منظمة “المزن للتنمية والتوعية والعطاء”، لكن الأهم كان انضمامها إلى المجلس الاستشاري النسائي السوري التابع للأمم المتحدة، والذي يعد منصة حيوية لمشاركة النساء السوريات في رسم ملامح مستقبل البلاد.

من خلال هذا الموقع، وسّعت الأطرش شبكة علاقاتها الدولية بشكل ملحوظ، وشملت تحركاتها مؤخراً:

  • لقاء إيمانويل ماكرون: شاركت ضمن وفد ممثل للمجتمع المدني السوري في لقاء مع الرئيس الفرنسي بدمشق منتصف عام 2026، لمناقشة قضايا سياسية ومدنية.
  • اجتماعات أوروبية مكثفة: عقدت سلسلة لقاءات مع مبعوثين ودبلوماسيين، أبرزهم سفراء اليونان، النرويج، والسويد، بالإضافة إلى المبعوث البريطاني الخاص إلى سوريا باري بيتش.
  • تقييم الدور الأممي: شاركت في اجتماعات مع لجان أممية قادمة من نيويورك لتقييم دور الأمم المتحدة في سوريا وأولويات المرحلة الانتقالية.

“عقدة السويداء”: هل يكون المنصب مفتاحاً للمصالحة؟

لا يمكن قراءة تعيين مزنة الأطرش بمعزل عن التوترات المتصاعدة في مسقط رأسها، محافظة السويداء. فالمحافظة تعيش على صفيح ساخن، تتداخل فيه الأزمات المعيشية مع التعقيدات الأمنية، وصولاً إلى التحديات السياسية المتمثلة في مطالبات الانفصال التي يقودها الشيخ حكمت الهجري.

في ظل هذا المشهد المحتقن وملف عودة النازحين المعقد مع اقتراب فصل الشتاء، يبدو أن الدبلوماسية السورية تراهن على “مستشارة السلام” لتوظيف شبكة علاقاتها الأوروبية والأممية، وانتمائها المحلي، في قيادة مبادرات لدعم المصالحة وتهدئة التوترات في السويداء.

في النهاية، يمثل استحداث هذا المنصب وتكليف مزنة الأطرش به محاولة لدمج أدوات المجتمع المدني والدعم الإنساني في صلب العمل الدبلوماسي الرسمي، استعداداً لمرحلة تبدو فيها “جهود السلام المحلية” لا تقل أهمية عن المفاوضات السياسية الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى