“بتتهم مين وإزاي؟”.. القصة الكاملة لصراع عائلة عبد الناصر على “ساعة الزعيم” المباعة في نيويورك

في تطور صادم ومفاجئ للملايين من محبي الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، تفجرت أزمة عائلية غير مسبوقة خرجت من الغرف المغلقة إلى ساحات الفضاء الإلكتروني المفتوحة. الأزمة لم تكن حول خلاف سياسي أو تباين في تقييم الإرث التاريخي لثورة يوليو، بل تمحورت حول قطعة مادية تحمل قيمة رمزية وتاريخية كبرى: “ساعة يد الزعيم”. فقد تبادل نجل الرئيس الراحل وحفيده اتهامات علنية قاسية وصلت إلى حد استخدام مصطلحات مثل “السرقة” و”البيع في مزادات نيويورك”، مما أثار زلزالاً من التساؤلات حول مصير مقتنيات واحد من أهم رموز التاريخ العربي الحديث.
كيف انتقلت ساعة جمال عبد الناصر، الذي عُرف بزهده وبساطة عيشه، لتباع في صالات المزادات الأمريكية؟ وهل يحق للورثة التصرف في مقتنيات رؤساء الدول باعتبارها إرثاً شخصياً، أم أنها تعد ملكاً للتاريخ وللشعب؟ في هذا التحقيق الاستقصائي، نغوص في تفاصيل هذا التراشق العائلي، ونفكك الأبعاد القانونية والأخلاقية لواقعة اهتزت لها الأوساط السياسية والاجتماعية.
شرارة الأزمة: اتهام علني وقاسٍ بالسرقة
بدأت القصة تأخذ منحنى علنياً حاداً عندما انتشر منشور منسوب إلى عبد الحميد جمال عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل. لم يكن المنشور مجرد عتاب عائلي، بل كان هجوماً مباشراً وصريحاً لا يقبل التأويل، موجهاً إلى ابن شقيقه الراحل، جمال خالد عبد الناصر.
وجاء في نص المنشور المنسوب لعبد الحميد ناصر، كلمات قاطعة وحادة: “إلى من يهمه الأمر.. جمال خالد عبد الناصر ابن أخويا حرامي ساعة أبويا اللي باعها في نيويورك، ولا يمثل العائلة بأي شكل من الأشكال”.
هذا الاتهام القاسي الذي استخدم فيه نجل الزعيم كلمة “حرامي” (سارق) للتبرؤ من ابن شقيقه، أحدث صدمة واسعة. فالأمر هنا لا يتعلق بساعة عادية، بل بقطعة يُفترض أنها توثق لحظات حاسمة من تاريخ مصر، وكانت تلتف حول معصم الرجل الذي اتخذ قرارات مصيرية مثل تأميم قناة السويس وبناء السد العالي. بمجرد انتشار هذا المنشور، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة نقاش حامية حول حقيقة ما جرى لتلك الساعة، وكيف عبرت المحيط لتستقر في مزاد بمدينة نيويورك الأمريكية.
رد الحفيد: “الساعة آلت إليّ إرثاً شرعياً”
أمام فداحة الاتهام وعلنيته، لم يقف الحفيد صامتاً. اختار جمال خالد عبد الناصر منصة “إكس” (تويتر سابقاً) ليرد الصاع صاعين لعمه، ولكن بلغة تستند إلى “المنطق القانوني وحق الميراث” بدلاً من لغة الشتائم.
نشر جمال خالد تدوينة مفصلة، وجه خلالها رسالة حازمة ومباشرة إلى عمه عبد الحميد، موضحاً موقفه القانوني والشرعي من ملكية الساعة المثيرة للجدل. وكتب حفيد الرئيس الراحل دفاعاً عن نفسه: “الساعة التي كانت مملوكة لجدي آلت إليّ إرثاً عن والدي الدكتور خالد جمال عبد الناصر، الذي توفي في 15 سبتمبر 2011”.
لم يكتفِ الحفيد بتبرير موقفه بكونه وريثاً شرعياً لوالده (الابن الأكبر للزعيم الراحل)، بل قرر الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، موجهاً في ختام تدوينته تحدياً مباشراً وصارماً لعمه قائلاً: “بتتهم مين بالضبط وإزاي؟ وضّح كلامك”.
هذا الرد يضع الأزمة في سياق قانوني دقيق؛ فالحفيد يؤكد أن انتقال الساعة إليه لم يكن عبر سرقتها من منزل جده أو من حيازة عمه، بل آلت إليه بطريقة طبيعية كجزء من تركة والده الراحل الدكتور خالد عبد الناصر. ووفقاً لهذا المنطق، وبما أن الأب (خالد) كان يمتلك الساعة، فإنها تنتقل تلقائياً لورثته، ويصبح من حقهم قانوناً التصرف فيها.
مقتنيات الرؤساء: إرث عائلي أم تراث وطني؟
بعيداً عن تفاصيل الخلاف العائلي، تفتح هذه الواقعة الباب واسعاً أمام نقاش أعمق وأكثر تعقيداً: لمن تعود ملكية مقتنيات الرؤساء والزعماء بعد وفاتهم؟
في مصر، كما في العديد من دول العالم، هناك تمييز قانوني بين نوعين من المقتنيات الرئاسية:
- الهدايا الرسمية والمقتنيات الحكومية: وهي الأشياء التي تلقاها الرئيس بصفته رئيساً للجمهورية من قادة الدول الأخرى أو المؤسسات، وهذه تُعد ملكاً للدولة وتوضع في المتاحف الرئاسية (مثل متحف رئاسة الجمهورية أو متحف جمال عبد الناصر).
- المقتنيات الشخصية: وهي الأشياء التي اشتراها الرئيس بماله الخاص، أو تلقاها كهدية شخصية بحتة قبل أو خلال فترة حكمه (مثل ملابسه، أقلامه الشخصية، وساعته الخاصة). هذه الأشياء تُعد قانوناً جزءاً من التركة الخاصة وتنتقل للورثة الشرعيين.
في حالة “ساعة عبد الناصر”، إذا ثبت أنها كانت ساعة شخصية يمتلكها بصفة خاصة، فإنها تندرج تحت بند الميراث الشرعي للأسرة. وقد تم توزيع تركة عبد الناصر بين أبنائه بعد وفاته. ولكن، الجدل هنا ليس قانونياً بقدر ما هو أخلاقي وتاريخي. فهل يُعقل أن تُباع ساعة لزعيم بحجم جمال عبد الناصر لمن يدفع أكثر في مزادات أجنبية، بدلاً من إهدائها لمتحفه القومي لتبقى شاهداً للأجيال القادمة؟
لماذا نيويورك؟.. مفارقة بيع “إرث الزعيم” في أمريكا
تكتسب هذه الأزمة بُعداً درامياً ومفارقة تاريخية صارخة بسبب “مكان البيع”. الزعيم جمال عبد الناصر، الذي بنى مجده السياسي على مقارعة الإمبريالية الغربية والوقوف في وجه النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، تُعرض مقتنياته الشخصية للبيع في قلب مدينة نيويورك، عاصمة المال والأعمال الأمريكية.
إن إقدام الورثة (أياً كانوا) على عرض مقتنيات الزعيم في مزادات أجنبية يسلط الضوء على ظاهرة متنامية تتمثل في انتقال التراث العربي والتاريخي إلى دور المزادات العالمية (مثل سوذبيز وكريستيز وغيرها). هذه الدور تمتلك قاعدة عملاء من جامعي التحف الأثرياء الذين يدفعون مبالغ طائلة لاقتناء قطع تعود لشخصيات تاريخية مؤثرة. بالنسبة لدور المزادات، ساعة عبد الناصر ليست مجرد آلة لمعرفة الوقت، بل هي “قطعة من التاريخ” يرتفع ثمنها بشكل جنوني بمجرد إثبات ملكيتها الأصلية (Provenance) للزعيم الراحل.
وقد أثار هذا التصرف (إذا صحت واقعة البيع بالفعل) استياءً واسعاً لدى قطاع عريض من الشعب المصري والقوميين العرب، الذين رأوا في هذه الخطوة تفريطاً غير مقبول في رمزية الزعيم، وتحويلاً لتاريخه إلى مجرد سلعة تُتداول في الأسواق الغربية.
غياب الحكمة: منصات التواصل كبديل للغرف المغلقة
ما زاد من فداحة هذه الواقعة هو الطريقة التي تم بها إدارة الخلاف. عائلة جمال عبد الناصر طالما حظيت باحترام خاص في الوجدان الشعبي المصري، وكان يُنظر إليها كعائلة حافظت على سمعة نظيفة بعيداً عن صراعات الثروة والسلطة التي لاحقت عائلات رؤساء آخرين.
خروج هذا النزاع الدقيق إلى منصات “فيسبوك” و”إكس” يكشف عن شرخ عميق داخل الأسرة. التراشق العلني واستخدام ألفاظ قاسية كـ “حرامي” و”لا يمثل العائلة”، يعكسان حالة من الغضب المتراكم وغياباً للحكماء داخل الأسرة القادرين على احتواء مثل هذه الأزمات في غرف مغلقة.
إن نشر الغسيل العائلي أمام ملايين المتابعين لم يحل مشكلة الساعة، بل أساء لصورة العائلة بأكملها، وأعطى فرصة للمتربصين بتارخ ثورة 1952 للشماتة والهجوم على إرث الزعيم من بوابة خلافات أحفاده.
الخلاصة: عقارب الساعة التي جرحت الذاكرة الوطنية
في نهاية المطاف، سواء كانت “ساعة جمال عبد الناصر” قد سُرقت كما يدعي العم عبد الحميد، أو كانت إرثاً شرعياً تم التصرف فيه كحق أصيل كما يؤكد الحفيد جمال خالد، فإن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو التاريخ والذاكرة الوطنية.
هذه الأزمة تفتح الباب أمام مطالبات تشريعية عاجلة بضرورة تقنين التعامل مع مقتنيات الزعماء والرؤساء والشخصيات التاريخية، حتى تلك التي تُصنف كملكيات شخصية للورثة. يجب أن يكون للدولة حق “الشفعة” أو الأولوية في شراء هذه المقتنيات بأسعار عادلة لضمها إلى المتاحف القومية، لحمايتها من التشتت في المزادات الأجنبية والخزائن الخاصة.
إن ساعة جمال عبد الناصر، التي طالما ضبطت إيقاع قرارات غيرت وجه الشرق الأوسط، يبدو أنها قد توقفت عن العمل في مسارها التاريخي السليم، لتشير عقاربها اليوم إلى أزمة عائلية حادة، تركت غصة في قلوب الملايين ممن لا يزالون يرون في مقتنيات “ناصر” جزءاً لا يتجزأ من كرامة وتاريخ الأمة.

