تقرير أممي يصدم العالم: كيف وصل انهيار الاقتصاد الفلسطيني إلى “الأشد عالمياً”؟

لم يعد المشهد الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية مجرد أزمة عابرة أو ركود تقليدي، بل تحول، بحسب التوصيف الرسمي لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، إلى “أشد أزمة اقتصادية مسجلة في العالم”. هذا الانهيار شبه الكامل لم يبدأ في أكتوبر 2023، بل هو تصعيد جذري وحاد لنمط من التفكيك الممنهج بدأ منذ عام 1967، ليبلغ ذروته اليوم في تدمير مادي غير مسبوق بقطاع غزة، وخنق مالي صامت يمزق أوصال الضفة الغربية.
القراءة التحليلية للتقرير الأممي الأخير تكشف أننا لسنا أمام مجرد انخفاض في مؤشرات النمو، بل أمام تدمير كلي للقدرة على الحياة والإنتاج، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول آفاق المستقبل في ظل سلطة بلا عملة سيادية، ومجتمع دولي يقف أمام فاتورة إعمار فلكية.
تشريح الكارثة: محو البنية التحتية الإنتاجية في غزة
يتجاوز الدمار في غزة فكرة انهيار المباني السكنية (التي قدرت خسائرها بـ 19 مليار دولار) ليصل إلى “إعدام” القدرة على توليد الدخل. الأرقام التي أوردها التقرير تعكس شللاً هيكلياً تاماً يعيشه القطاع:
- إبادة مصادر الدخل: تعرضت 92% من المنشآت الاقتصادية القادرة على توفير الوظائف للتدمير الكلي أو الجزئي.
- انهيار القطاعات الحيوية: سُجل تراجع كارثي في الإنتاج الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما، وانعدم نشاط البناء والتشييد بتسجيله تراجعاً بنسبة 99%. ولم يتبق سوى 1.5% من الأراضي الزراعية صالحة للوصول والاستخدام.
- أزمة البقاء اليومية: انهار مستوى الدخل إلى نحو نصف دولار يومياً للفرد، بالتزامن مع تضخم جنوني رفع الأسعار إلى ثلاثة أضعافها. النتيجة المباشرة هي بطالة تجاوزت 90%، وانتقال نسبة الفقر من الثلثين قبل الأزمة إلى 100% (فقر متعدد الأبعاد) يطال كافة السكان.
الضفة الغربية: الخنق المالي وأزمة “العملة المرفوضة”
إذا كانت غزة تواجه الدمار المادي، فإن الضفة الغربية تتعرض لعملية خنق مالي وإداري مدروسة تعرقل أي آفاق للتنمية الاقتصادية. يتمثل هذا الخنق في سياسات التوسع الاستيطاني وتقييد الحركة، ولكنه يتجلى بأخطر صوره في الأزمة المصرفية والمالية الخانقة.
الحكومة الفلسطينية، المحرومة من إيرادات المقاصة المستحقة لها، اضطرت للاعتماد على البنوك الخاصة لتغطية رواتب موظفيها الجزئية، مما نقل المخاطر السيادية إلى القطاع المصرفي. الأخطر من ذلك هو العزلة المالية المفروضة عبر تقصير صلاحية خطابات الضمان، ورفض تحويل العملة الورقية (الشيكل) إلى أرصدة رقمية. هذا الإجراء، الذي لخصه التقرير بعبارة “إسرائيل لا تقبل العملة التي تصدرها هي نفسها ويُجبر الفلسطينيون على استخدامها”، يعرقل بشكل مباشر تمويل الواردات الأساسية ويهدد المنظومة التجارية بالكامل.
“الوهم الإحصائي” وفاتورة الـ 71 مليار دولار
عند تحليل مؤشرات الاقتصاد الكلي، يجب الحذر مما أسماه التقرير بـ “الوهم الإحصائي”. فعلى الرغم من أن الاقتصاد الفلسطيني سجل انكماشاً بنسبة 6.6% في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالعام السابق، إلا أن هذا التراجع يُقاس استناداً إلى قاعدة بيانات منهارة أصلاً في عام 2024. الواقع أن الناتج المحلي الإجمالي في 2025 و2026 لا يزال أدنى بنسبة 20% مما كان عليه في 2022، مع هبوط نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 212 دولاراً فقط في 2025، وهو من أدنى المعدلات عالمياً.
أمام هذا الشلل الكلي، قدر التقييم المشترك (للبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) تكلفة التعافي وإعادة الإعمار في غزة بـ 71.5 مليار دولار؛ وهو رقم أولي مرشح للزيادة مع استمرار الأضرار.
الخلاصة في نقاط
- الاقتصاد الفلسطيني فقد مقوماته الهيكلية، والانكماش الحالي يمثل انهياراً كاملاً للقدرة الإنتاجية.
- أزمة الضفة الغربية مالية ومصرفية بامتياز، وتهدد بانهيار المؤسسات الحكومية والخاصة معاً.
- السلطة الفلسطينية تقف مكتوفة الأيدي؛ بلا سيطرة على الحدود، بلا عملة سيادية، وبلا حيز مالي يُمكنها من تحمل تكاليف الإعمار.
إن إعادة بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وتأمين السلام الإقليمي، كما تؤكد مقررات الأمم المتحدة، يتطلبان قاعدة اقتصادية متينة. فالسلام والاستقرار لا يمكن أن ينموا في تربة اقتصاد منهار، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حتمية وعاجلة ليس فقط لتمويل إعادة الإعمار، بل لإنقاذ المنظومة المالية الفلسطينية من انهيار وشيك.



