مهلة 48 ساعة لكسر الاحتكار: كواليس اختفاء الأدوية من صيدليات الجزائر

في الوقت الذي يواجه فيه المرضى صعوبة بالغة في العثور على بعض العلاجات الأساسية، كشفت التحقيقات الرسمية في الجزائر عن مفاجأة غير متوقعة: الأدوية المفقودة من رفوف الصيدليات متوفرة بالفعل، ولكنها قيد الاحتجاز المتعمد في مستودعات التوزيع والاستيراد.
هذا الكشف دفع وزارة الصناعة الصيدلانية للتدخل العاجل، موجّهة اتهامات صريحة للمصنعين والمستوردين بالوقوف وراء هذه الأزمة المفتعلة، ومطلقة حزمة من الإجراءات الصارمة لإعادة التوازن إلى السوق الصحي.
مخزونات مخفية: أين تذهب الأدوية؟
بدأت خيوط الأزمة تتكشف بناءً على تقارير ميدانية رفعها جهاز اليقظة والمراقبة، والذي رصد انقطاعاً غير مبرر لعدد من المنتجات الصيدلانية في مختلف ولايات الوطن. ومع تعمق التحقيقات، تبين أن هذا النقص لا يعود لتعطل في سلاسل التوريد العالمية، بل لتكدس الأدوية داخل مخازن مؤسسات الاستيراد، والشركات المصنعة، وموزعي الجملة.
هذا الاحتكار المتعمد، سواء بهدف المضاربة أو فرض شروط بيع معينة، استدعى تحركاً وزارياً حاسماً لقطع الطريق على المتلاعبين بالأمن الصحي للمواطنين.
التحرك الحكومي: مهلة حاسمة وعقوبات صارمة
لمواجهة هذا الخلل، أصدر وزير الصناعة الصيدلانية، وسيم قويدري، مذكرة عاجلة يوم الخميس 2 أبريل/نيسان، تضمنت قرارات حازمة وغير قابلة للتأجيل:
- الإفراج الفوري عن المخزونات: إلزام جميع المؤسسات الصيدلانية بطرح الأدوية المكدسة في السوق خلال مهلة زمنية ضيقة تتراوح بين 48 ساعة إلى 5 أيام كحد أقصى.
- تفعيل الرقابة الميدانية: نشر فرق تفتيش متخصصة لمراقبة مدى التزام الشركات والموزعين بضخ الأدوية وتغطية احتياجات الصيدليات على كامل التراب الوطني.
- عقوبات تصل لسحب الاعتماد: توعدت الوزارة المخالفين بتطبيق أقصى العقوبات القانونية ضد أي ممارسات غير مشروعة (كالمضاربة، الاحتكار، أو البيع المشروط)، والتي قد تنتهي بسحب تراخيص العمل بشكل نهائي.
لغة الأرقام: حجم الندرة الفعلية مقابل المفتعلة
لفهم الحجم الحقيقي للأزمة، يجب التمييز بين “الاحتكار المحلي” و”الندرة العالمية”. فبحسب بيانات سابقة للوزارة، يضم السوق الجزائري حالياً نحو 6500 دواء مسجل.
من بين هذا الرقم الضخم، هناك 16 دواءً فقط يعاني من ندرة حقيقية بسبب اضطرابات في السوق الدولية. وحتى هذه الأدوية القليلة، تتوفر لها بدائل علاجية فعالة محلياً. هذا يعني أن الغالبية العظمى من حالات “نفاد الكمية” التي يواجهها المواطن الجزائري اليوم هي نتيجة ممارسات تجارية غير قانونية، وليست عجزاً في المنظومة الصحية.
الكرة الآن في ملعب الموزعين والمستوردين؛ فإما الالتزام بتغذية الصيدليات وفق التشريعات السارية، أو مواجهة مقصلة العقوبات الحكومية التي تسعى لإعادة الانضباط لسوق الدواء المشتعل.



