مشيخة جديدة تثير الجدل: تنصيب سيف الجربا شيخاً لقبيلة شمر في سوريا خلفاً لـ “مانع الدهام”

تشهد منطقة الجزيرة السورية، وتحديداً محافظة الحسكة، حراكاً عشائرياً وسياسياً غير مسبوق في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث تصدرت المشهد مؤخراً أنباء تنصيب سيف الجربا شيخاً لقبيلة شمر في سوريا. هذه الخطوة التي جرت في قرية الفسطاط بريف القامشلي الجنوبي، لم تكن مجرد انتقال تقليدي للسلطة العشائرية، بل حملت أبعاداً سياسية عميقة ترتبط بمستقبل المنطقة، وعملية تفكيك وإدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط حالة من التباين والانقسام الحاد داخل الأوساط العشائرية.

تفاصيل مراسم التنصيب في قرية الفسطاط

تداولت صفحات ومواقع إخبارية محلية في محافظة الحسكة تفاصيل وصوراً لاجتماع عشائري واسع عُقد في قرية الفسطاط، تخلله إعلان تنصيب الشيخ سيف الجربا شيخاً لقبيلة شمر، ليكون بديلاً عن الشيخ التقليدي للقبيلة مانع حميدي دهام الجربا، الذي ورث المشيخة بعد وفاة والده في عام 2022.

ما أعطى هذا الحدث وزناً سياسياً ثقيلاً هو الحضور الرسمي اللافت؛ حيث شارك في المراسم ممثلون عن “الدولة السورية” (في إشارة لتوجهات المرحلة الانتقالية الجديدة)، وهو ما اعتبره المراقبون دعماً مباشراً وصريحاً لسيف الجربا، وسحباً للبساط من تحت أقدام المشيخة السابقة التي ارتبطت بتحالفات وثيقة مع “قسد”.

من هو سيف الجربا؟ ولماذا الآن؟

لا يُعد الشيخ سيف الجربا (وهو ابن عم الشيخ المعزول مانع الجربا) اسماً طارئاً على الساحة السورية، فهو يُعرف بمواقفه الثورية البارزة ورفضه القاطع منذ البداية للتحالف مع النظام البائد، أو ميليشيات إيران، أو حتى قوات “قسد”.

سياسياً، يشغل سيف الجربا حالياً منصباً حساساً، فهو عضو في الفريق الرئاسي السوري المكلف بعملية دمج “قسد” في الحسكة. هذا الموقع يجعل من تنصيبه جزءاً من مخطط أشمل تقوده الدولة لإعادة هيكلة النفوذ في شرق الفرات، وتفكيك المنظومة العسكرية والمدنية التي بنتها “قسد” خلال السنوات الماضية، واستبدال القيادات العشائرية التي كانت توفر لها الغطاء الشرعي.

عزل مانع الجربا: سقوط تحالفات “الوقت الضائع”

حافظ الشيخ المعزول “مانع حميدي الدهام” طوال فترة مشيخته على إرث والده في التحالف الوثيق مع قوات “قسد”، وهو التحالف الذي أفرز قوة عسكرية تابعة للقبيلة تُعرف بـ “ميليشيا الصناديد”.

ورغم محاولات مانع الجربا تدارك المتغيرات السياسية الكبرى، من خلال زيارته لدمشق في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ولقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع، عقب التوصل لاتفاق الاندماج بين الدولة السورية وقسد، إلا أن مراقبين يرون أن انهيار مشروع “قسد” استدعى تغييراً جذرياً في القيادة العشائرية، ولم تشفع لمانع محاولاته لتغيير تحالفاته في “الوقت الضائع”.

انقسام وجدل واسع في أوساط القبيلة

على الرغم من غياب أي تعليق أو بيان رسمي موحد من قِبل عموم مشايخ قبيلة شمر حول هذا التغيير، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الافتراضية تحولت لساحة من الجدل والانقسام العنيف بين أطياف القبيلة والقبائل المجاورة، وانقسم الشارع العشائري إلى تيارين:

  • التيار الداعم: يرى في الخطوة تصحيحاً لمسار القبيلة. وفي هذا السياق، صرح مضر حماد الأسعد (رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية ومدير العلاقات العامة في المنطقة الجنوبية للحسكة) بأن قرار ثوار شمر كان مع انتقال المشيخة لسيف الجربا، واصفاً إياه بأنه “انتصار لإرادة شرفاء شمر”، مؤكداً أن الخلافات السياسية داخل العشائر هي نتيجة طبيعية للحروب المدمرة.
  • التيار الرافض: يدافع هذا التيار عن نهج المشيخة السابقة المتمثلة بآل الدهام، معتبرين أنها نجحت بحكمتها في تجنيب مناطق القبيلة ويلات المواجهات العسكرية المحسومة النتائج. ويحذر أصحاب هذا التيار من أن فرض مشيخة جديدة بتدخل سياسي قد يجر المنطقة برمتها إلى صراعات داخلية ودموية بين أبناء المكون العشائري الواحد.

في المحصلة، يبدو أن تنصيب سيف الجربا ليس مجرد شأن داخلي لقبيلة شمر العريقة، بل هو انعكاس مباشر لخريطة التحالفات الجديدة في سوريا، حيث يُعاد تشكيل القوى على الأرض، وتبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف قدرة المشيخة الجديدة على توحيد صفوف القبيلة أو انزلاقها نحو مزيد من التشظي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى