هل تخدعك ساعتك الذكية؟ دراسة تكشف مبالغة صادمة في حساب حرق السعرات

تنهي تمرينك الشاق، تتصبب عرقاً، ثم تنظر بفخر إلى معصمك لتجد أن ساعتك الذكية تخبرك بأنك حرقت 600 سعرة حرارية. شعور رائع يمنحك المبرر المثالي لتناول تلك الوجبة الدسمة، أليس كذلك؟ للأسف، العلم الحديث يحمل لك خبراً قد يفسد هذه الفرحة؛ فهذا الرقم اللامع على شاشتك قد يكون مجرد “وهم رقمي” يهدد نظامك الغذائي.
في عالم أصبحنا نعتمد فيه على الأجهزة القابلة للارتداء لتقييم صحتنا، أزاحت دراسة علمية حديثة ومستقلة الستار عن حقيقة مقلقة: ساعتك الذكية تبالغ بشكل كبير في تقدير المجهود الذي تبذله. فما هو حجم هذا الخطأ؟ ولماذا تفشل التكنولوجيا المتقدمة في قراءة أجسادنا بدقة؟
وهم الأرقام: كم تبلغ نسبة الخطأ الفعلي؟
للإجابة على هذا التساؤل، قام فريق من الباحثين في جامعة فلوريدا الدولية بوضع أشهر الساعات الذكية في اختبار مباشر وحاسم ضد الأجهزة الطبية المخبرية الدقيقة (والتي تُعد المعيار الذهبي لقياس استهلاك الطاقة في الجسم). شملت الاختبارات علامات تجارية بارزة مثل ساعة “أبل”، “سامسونج”، “جارمين”، وغيرها.
النتائج التي نُشرت في مجلة علمية محكمة جاءت مخيبة لآمال الملايين؛ حيث أثبتت الدراسة أن جميع الساعات الذكية دون استثناء تبالغ في تقدير عدد السعرات المحروقة. وقد تراوح هامش الخطأ التقريبي بين 15% إلى 25%، وفي بعض الحالات الفردية تجاوزت نسبة الخطأ هذا الحد بكثير.
أبل تتفوق.. وسامسونج وجارمين تبالغان!
رغم أن لا أحد نجا من فخ المبالغة، إلا أن الدراسة أظهرت تفاوتاً بين الشركات المصنعة. فقد سجلت ساعة أبل (Apple Watch) الأداء الأكثر دقة مقارنة بمنافسيها بفضل أنظمتها الحيوية الأكثر تطوراً. في المقابل، أظهرت أجهزة مثل “سامسونج” و”جارمين” ميلاً أكبر وأوضح للمبالغة في تضخيم أرقام السعرات المستهلكة، مما قد يعطي المستخدم شعوراً زائفاً بالإنجاز.
لماذا تخطئ الساعات الذكية؟ (السر في الخوارزميات)
قد تتساءل: كيف لجهاز ذكي يقيس نبض القلب بدقة أن يفشل في حساب السعرات؟ الإجابة تكمن في طبيعة عمل هذه الأجهزة. الساعات الذكية لا تقرأ “السعرات” بشكل مباشر، بل تستخدم مستشعرات ضوئية تقيس التغير في تدفق الدم لاحتساب معدل ضربات القلب، ثم تقوم بإدخال هذا الرقم في خوارزميات برمجية معقدة للتنبؤ بحجم الطاقة المستهلكة.
وهنا يكمن الخلل؛ فهذه الخوارزميات صُممت بناءً على بيانات عامة لا تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية الدقيقة بين البشر. وقد لاحظ الباحثون مفارقة هامة:
- تأثير تكوين الجسم: الأشخاص الذين يمتلكون نسبة دهون أعلى في الجسم يحصلون على القراءات الأقل دقة، حيث تميل الساعة للمبالغة الشديدة في حساب حرق السعرات لديهم مقارنة بالرياضيين.
- نوعية التمرين: تزداد نسبة الخطأ بشكل كبير عند ممارسة تمارين القوة (رفع الأثقال) أو التدريب المتقطع عالي الشدة (HIIT)، بينما تكون أكثر دقة نسبياً في تمارين الكارديو الثابتة كالمشي أو الجري الخفيف.
الخطر الخفي: كيف تفسد هذه الأرقام رجيمك؟
الخطورة هنا لا تكمن في مجرد رقم خاطئ على الشاشة، بل في القرارات السلوكية التي تُبنى عليه. يعتمد الكثيرون على استراتيجية “العجز الحراري” لإنقاص الوزن (حرق سعرات أكثر مما يتم تناوله).
إذا أوهمتك ساعتك بأنك حرقت 500 سعرة، بينما حرق جسمك فعلياً 350 سعرة فقط، وقمت أنت بمكافأة نفسك بوجبة تعادل 400 سعرة بناءً على هذا التقدير الخاطئ؛ فأنت لا إرادياً تحول نفسك من حالة العجز الحراري إلى حالة الفائض الحراري، مما يؤدي إلى ثبات الوزن أو حتى زيادته رغم التزامك بالتمرين!
الخلاصة في نقاط: كيف تستخدم ساعتك الذكية بذكاء؟
لا يعني هذا التقرير أن ترمي ساعتك الذكية في الدرج؛ فهي لا تزال أداة رائعة لمراقبة الصحة، ولكن يجب تغيير طريقة تفكيرنا تجاه البيانات التي تقدمها. إليك كيفية الاستفادة منها بشكل صحيح:
- تجاهل الرقم المطلق: لا تتعامل مع رقم السعرات المحروقة كحقيقة طبية أو علمية. اعتبره مؤشراً عاماً فقط، ولا تقم أبداً بزيادة كمية طعامك بناءً على ما تخبرك به الساعة.
- ركز على الاتجاهات (Trends): استخدم الساعة لمقارنة أدائك بمرور الوقت. إذا أظهرت الساعة أنك تحركت هذا الأسبوع أكثر من الأسبوع الماضي بنسبة 10%، فهذا مؤشر ممتاز، بغض النظر عن الرقم الدقيق للسعرات.
- اعتمد على المقاييس الأكثر موثوقية: أثبتت الدراسات أن الساعات الذكية دقيقة جداً (بنسبة تصل لـ 90%) في قياس معدل ضربات القلب وقت الراحة، وفي تتبع مراحل الاستيقاظ والنوم الأساسية. اجعل هذه المقاييس هي بوصلتك الحقيقية لتقييم صحتك العامة.
في النهاية، تظل الساعات الذكية مجرد “بوصلة تقريبية” للياقتك البدنية وليست جهازاً مخبرياً. استمر في الحركة، استمتع بتمرينك، وتذكر دائماً أن المؤشر الحقيقي لصحتك هو ما تشعر به في جسدك وما تراه في المرآة، وليس الرقم الوامض على معصمك.
