رياضة وملاعب

لولاية رابعة.. إنفانتينو يترشح لرئاسة “فيفا” متحدياً عاصفة الانتقادات (خفايا الـ 20 مليار دولار)

في عالم كرة القدم، لا تقتصر المعارك الطاحنة على المستطيل الأخضر الممتد لـ 90 دقيقة، بل تتجاوزه لتصل إلى أروقة المكاتب المغلقة في مدينة زيورخ السويسرية، حيث تُتخذ القرارات التي ترسم مستقبل اللعبة الشعبية الأولى في العالم. وفي أحدث فصول هذه المعارك الإدارية والسياسية، ألقى السويسري جياني إنفانتينو بحجر جديد في المياه الراكدة، بإعلانه الرسمي عن نيته التمسك بعرش الساحرة المستديرة، والترشح لولاية رابعة على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».

هذا الإعلان لم يأتِ في ظروف هادئة، بل وسط أمواج عاتية من الضغوط والانتقادات الحادة التي تحاصره من أقوى الاتحادات القارية. فكيف يخطط إنفانتينو للبقاء في منصبه حتى عام 2031؟ وما هي حقيقة مشروع الـ 20 مليار دولار الذي كاد أن يعصف بمستقبله الرئاسي؟ في هذا التحقيق الشامل، نغوص في كواليس القرار الذي قد يعيد تشكيل خريطة القوى في كرة القدم العالمية.

الإعلان الرسمي: إنفانتينو لا ينوي التنازل عن مقعده

بدأت القصة عندما قطع متحدث رسمي باسم الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، يوم الأحد، الشك باليقين، معلناً وبشكل قاطع أن جياني إنفانتينو سيترشح لإعادة انتخابه في عام 2027. هذا التأكيد المبكر يحمل في طياته رسائل متعددة الاتجاهات؛ فهو من جهة يغلق الباب أمام التكهنات حول نيته الاكتفاء بما قضاه في المنصب، ومن جهة أخرى، يمثل استعراضاً للقوة أمام خصومه داخل المنظومة الرياضية.

إن فوز إنفانتينو بولاية جديدة يعني استمراره في قيادة دفة الفيفا حتى عام 2031. هذا الامتداد الزمني يجعله واحداً من أطول رؤساء الفيفا بقاءً في السلطة في العصر الحديث، ويتيح له الإشراف الكامل على أحداث مفصلية قادمة، أبرزها كأس العالم 2030 الذي سيقام بنسخته الاستثنائية المئوية عبر قارات متعددة.

الخط الزمني للمعركة الانتخابية القادمة

الانتخابات الرئاسية للفيفا ليست مجرد تصويت يجرى في يوم واحد، بل هي عملية سياسية معقدة تخضع لجدول زمني صارم حددته اللوائح الداخلية للاتحاد. وقد تم وضع خارطة طريق واضحة للسباق الرئاسي القادم:

  • 18 نوفمبر – الموعد الحاسم: يُعد يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني هو الموعد النهائي والأخير لدخول أي مرشحين محتملين في السباق الرئاسي. بعد هذا التاريخ، تُغلق الأبواب ولن يُسمح بتقديم أي أوراق ترشح جديدة.
  • المهلة القانونية (4 أشهر): تم تحديد هذا الموعد النهائي ليكون قبل أربعة أشهر بالضبط من موعد التصويت الرسمي، وهي فترة مخصصة للجنة الانتخابية لفحص ملفات المرشحين، والتأكد من نزاهتهم، والسماح لهم بعرض برامجهم الانتخابية على الاتحادات الوطنية الـ 211 الأعضاء في الفيفا.
  • مارس القادم – يوم الحسم: ستشهد الجمعية العمومية (الكونغرس) المقرر عقدها في شهر مارس القادم عملية التصويت النهائية التي ستحدد هوية الرجل الذي سيقود كرة القدم العالمية في السنوات الأربع اللاحقة.

شرارة الأزمة: مشروع «فيفا فوروارد إنتربرايز» المثير للجدل

رغم الثقة التي يبديها معسكر إنفانتينو، إلا أن الطريق نحو عام 2031 ليس مفروشاً بالورود. النقطة المحورية التي أثارت زلزالاً داخل أروقة الفيفا وألبت الحلفاء قبل الخصوم، تتمثل في مقترح مشروع عُرف إعلامياً وداخلياً باسم «فيفا فوروارد إنتربرايز» (FIFA Forward Enterprise).

هذا المشروع لم يكن مجرد خطة تطويرية تقليدية، بل كان بمثابة ثورة هيكلية في كيفية إدارة أموال اللعبة. كان المقترح يقضي بتأسيس كيان تجاري جديد كلياً وتابع للاتحاد الدولي، ومن ثم بيع حصص من هذا الكيان لمستثمرين وشركاء ماليين من خارج المنظومة الرياضية الكلاسيكية.

المبلغ المقترح كان فلكياً بكل المقاييس، حيث قُدرت قيمة المشروع بنحو 20 مليار دولار أمريكي. وجهة نظر إنفانتينو كانت تعتمد على أن ضخ هذه الأموال الهائلة سيسمح بتطوير البنية التحتية لكرة القدم في الدول النامية، وزيادة العوائد المالية للاتحادات الوطنية، وإطلاق بطولات جديدة وموسعة (مثل كأس العالم للأندية بصيغتها الحديثة).

جبهة الرفض الثلاثية: لماذا غضبت الاتحادات القارية؟

لم يمر هذا المقترح المالي الضخم مرور الكرام، بل اصطدم بجدار صد منيع شكلته ثلاث قوى عظمى في خارطة كرة القدم العالمية، وهي:

  1. الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا – UEFA): القوة الضاربة مالياً وكروياً. تخشى أوروبا دائماً من أي مشاريع للفيفا قد تسحب البساط من تحت بطولاتها المربحة (خاصة دوري أبطال أوروبا)، ورأت في مشروع الـ 20 مليار دولار تهديداً مباشراً لاستقلاليتها وتأثيراً سلبياً على الأجندة الدولية المزدحمة أصلاً بالبرامج.
  2. اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف – CONCACAF): رغم العلاقات الجيدة التي ربطت هذا الاتحاد بإنفانتينو، إلا أن غموض التفاصيل المتعلقة بالكيان التجاري الجديد، وكيفية توزيع العوائد، أثارت مخاوف قيادات الكونكاكاف من تهميش دورهم.
  3. الاتحاد الآسيوي لكرة القدم (AFC): الذي يمثل القارة الأكبر من حيث النمو السكاني والاقتصادي. انضم الاتحاد الآسيوي لجبهة الرفض، مطالباً بمزيد من الشفافية ورفضاً لفكرة خصخصة جزء من حقوق الفيفا لجهات استثمارية غير معلومة النوايا بالكامل.

تراجع تكتيكي أم هزيمة استراتيجية؟

أمام هذا التحالف الثلاثي القوي (أوروبا، آسيا، الكونكاكاف)، والذي يمتلك وزناً تصويتياً هائلاً ونفوذاً لا يمكن تجاهله، وجد جياني إنفانتينو نفسه في موقف لا يُحسد عليه. ولتجنب انقسام تاريخي قد يودي بحياته السياسية داخل المنظمة، قرر «فيفا» التراجع رسمياً عن هذا المقترح المثير للجدل.

ولكن، في عالم السياسة الرياضية، التراجع عن القرار لا يعني بالضرورة إغلاق الملف. فرغم سحب مقترح «فيفا فوروارد إنتربرايز»، إلا أن الضغوط على إنفانتينو لا تزال قائمة وفعالة. لقد أحدث هذا الملف شرخاً في جدار الثقة بين رئيس الفيفا وكبار قادة الكرة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، وهم الآن يراقبون تحركاته بحذر شديد، ويدرسون خياراتهم للمرحلة المقبلة.

كيف يمكن لإنفانتينو الفوز رغم هذه الضغوط؟

قد يتساءل المتابع: إذا كانت كل هذه الاتحادات الكبرى غاضبة، فكيف يجرؤ إنفانتينو على الترشح مجدداً وبكل هذه الثقة؟ الإجابة تكمن في فهم النظام الانتخابي العبقري والمعقد للاتحاد الدولي لكرة القدم.

يعتمد الفيفا على مبدأ “دولة واحدة، صوت واحد” في الجمعية العمومية. هذا يعني أن صوت دولة صغيرة في المحيط الهادئ أو إفريقيا يتساوى تماماً مع صوت ألمانيا أو البرازيل أو اليابان. وقد بنى إنفانتينو خلال سنوات حكمه شبكة علاقات قوية مع الاتحادات الوطنية في إفريقيا (CAF) وأوقيانوسيا وأجزاء كبيرة من آسيا وأمريكا الجنوبية، من خلال زيادة المخصصات المالية السنوية لهذه الدول عبر برامج التطوير (مثل برنامج FIFA Forward بنسخته العادية)، وزيادة عدد مقاعد كأس العالم إلى 48 منتخباً بدءاً من 2026، وهو ما أرضى طموحات الدول الصغيرة والمتوسطة كروياً.

ماذا يخبئ المستقبل حتى عام 2031؟

إذا تمكن إنفانتينو من تجاوز يوم 18 نوفمبر دون ظهور مرشح منافس يمتلك ثقلاً سياسياً حقيقياً مدعوماً من أوروبا وآسيا، فإنه سيسير نحو ولايته الرابعة بالتزكية أو بأغلبية كاسحة في مارس القادم.

استمراره في منصبه حتى عام 2031 سيمنحه السلطة لتنفيذ رؤيته الكاملة لكرة القدم، والتي تشمل التوسع التجاري، وتثبيت أقدام بطولة كأس العالم للأندية بشكلها الجديد الموسع، وإعادة تشكيل الأجندة الدولية. لكنه في الوقت ذاته، سيكون مضطراً للتعامل بحنكة أكبر مع قادة الاتحادات القارية الغاضبة، لضمان عدم تحول هذه الانتقادات الحادة إلى ثورة فعلية قد تعرقل مشاريعه المستقبلية.

الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة. فهل ستفرز اجتماعات الغرف المغلقة في الاتحادات القارية مرشحاً مفاجئاً يمتلك الشجاعة لتحدي جياني إنفانتينو؟ أم أن رئيس الفيفا قد حسم المعركة مسبقاً بفضل أصوات الحلفاء المخلصين في قارات الظل؟ الإجابة ستُكتب يوم 18 نوفمبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى