بحر بلا سمك.. كيف قتلت الحرب في اليمن مصدر رزق آلاف الصيادين؟

في مشهد يلخص مرارة التناقض الذي يعيشه اليمن، يقف الشاب محسن عبد الله عمر في سوق الحراج المركزي لبيع الأسماك بالقرب من ميناء مدينة عدن الصاخب. يراقب بعينين مثقلتين بالحسرة صيادين يفرغون صناديق أسماك من قوارب صغيرة متعبة، ليتذكر أياماً لم تكن بعيدة، عندما كان شراء وجبة سمك مغذية لأسرته أمراً اعتيادياً وفي متناول اليد. اليوم، تبدلت الأحوال، وصار محسن، كغيره من آلاف اليمنيين في مدينة ساحلية، عاجزاً عن شراء ما تجود به بحار بلاده.
هذا المشهد في عدن ليس استثناءً، بل هو انعكاس لواقع اقتصادي ومعيشي أليم، حيث أصبحت أزمة الأسماك في اليمن واحدة من أكثر تداعيات الصراع قسوة ووضوحاً. كيف يمكن لدولة تمتلك شريطاً ساحلياً يمتد لأكثر من 2500 كيلومتر على البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن، ويزخر بأكثر من 350 نوعاً من الثروة البحرية، أن يعجز مواطنوها عن تأمين سمكة؟ في هذا التحقيق، نغوص في أعماق الأزمة لنتتبع كيف تحولت المياه الزرقاء الغنية إلى ساحة معارك وألغام، تخنق القطاع السمكي وتدمر مصدر رزق آلاف الأسر.
انهيار القطاع السمكي: من رافد اقتصادي إلى ضحية للصراع
تاريخياً، لم يكن قطاع الأسماك في اليمن مجرد نشاط ثانوي؛ بل كان يحتل المركز الثاني في الناتج المحلي الإجمالي بعد قطاع النفط. تشير البيانات والتقديرات الرسمية إلى أن إنتاج اليمن من الأسماك والأحياء البحرية، قبل اندلاع الحرب الأهلية في مطلع عام 2015، كان يبلغ نحو 200 ألف طن سنوياً. وكانت البلاد تصدر ما بين 40% إلى 50% من هذا الإنتاج، وهو ما كان يدر عائدات كبيرة تقدر بحوالي 350 مليون دولار سنوياً.
لكن منذ أن أطلقت الحرب العنان لدمارها، انخفض هذا الحجم الهائل من الإنتاج إلى النصف. هذا التراجع الحاد ليس مجرد تذبذب في الأسواق، بل هو نتيجة مباشرة للنزوح القسري للصيادين وتدمير البنية التحتية والمخاطر المحدقة بالعاملين في هذا القطاع الحيوي. وفي الوقت الحاضر، تعيش العاصمة المؤقتة عدن، والمحافظات المجاورة لها، أزمة خانقة تتمثل في قلة المعروض من الأسماك، واختفاء العديد من الأصناف الأساسية.
هذه الشحة أدت بطبيعة الحال إلى انفلات الأسعار، حيث ارتفعت أسعار الأسماك بنسبة تقارب 100%. ولعل أكثر ما يؤلم ذوي الدخل المحدود هو اختفاء أو غلاء “أسماك الثمد” (أحد أنواع سمك التونة)، والتي كانت لعقود تعتبر الوجبة المغذية والاقتصادية التي تعتمد عليها موائد اليمنيين.
توترات البحر الأحمر: عندما تتحول الملاحة إلى كابوس
لم تتوقف معاناة القطاع السمكي عند حدود الحرب الداخلية، بل تجاوزتها لتصطدم بـ التوترات الإقليمية المتصاعدة في البحر الأحمر. خلال الأسابيع القليلة الماضية، شهدت هذه المنطقة الحيوية سلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت سفناً تجارية وناقلات نفط.
ومع إعلان جماعة “الحوثيين” فرض قيود وتصعيد عسكري في الممرات المائية، وما تلاه من غارات شنتها قوات التحالف بقيادة السعودية على منشآت عسكرية تابعة للحوثيين، تحولت مياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى مناطق عالية الخطورة. هذه الاضطرابات العسكرية لا تؤثر فقط على الملاحة التجارية العالمية، بل تصيب في مقتل قدرة الصياد اليمني التقليدي على النزول إلى البحر لكسب قوت يومه.
يلخص المواطن اليمني “نبيل سعيد غالب شرف” (56 عاماً)، وهو موظف حكومي في عدن، حجم الإرهاق الشعبي قائلاً: “الناس هنا تعبت من أزمات متتالية منذ سنوات ولا حلول في الأفق، تعبنا من أزمة الكهرباء التي أنهكت أعصاب الناس، ومن ساعات الانطفاء الطويلة، ومن البحث عن الماء، وارتفاع الأسعار، وأزمة غاز الطهي، والآن جاء الدور على الأسماك”.
حرب الموانئ: ضرب البنية التحتية وشل حركة الصيد
إن استهداف موانئ ومراكز الإنزال السمكي يُعد من أبرز أسباب شلل هذا القطاع. اليمن اليوم مقسم فعلياً بين حكومة معترف بها دولياً في الجنوب، مدعومة من تحالف تقوده السعودية، وجماعة الحوثيين المدعومة من إيران والتي تسيطر على الشمال ومعظم الموانئ الرئيسية على البحر الأحمر، مثل ميناء الحُديدة.
يوضح الباحث الاقتصادي والمدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية، “وفيق صالح”، أبعاد هذا الاستهداف العسكري قائلاً: “التهديدات العسكرية الأخيرة والهجمات الصاروخية تسببت في اضطراب حركة الملاحة البحرية بمنطقة باب المندب وجنوب البحر الأحمر”.
ويضيف صالح نقطة جوهرية تتعلق باستهداف البنية التحتية، حيث يشير إلى أن الهجمات طالت الموانئ ومراكز الإنزال السمكي، وعلى رأسها ميناء المخا والمرافئ المجاورة له. هذا الاستهداف أدى إلى ضرب قطاع الصيد التقليدي في الصميم. ففي أغسطس الماضي، أدت هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على سفن في ميناء المخا إلى مقتل وإصابة مدنيين وصيادين، وتسببت بأضرار جسيمة أخرجت أجزاء من الميناء عن الخدمة.
أسباب اقتصادية وبيئية متداخلة
إلى جانب التهديدات الأمنية المباشرة، يواجه الصيادون تحديات مركبة. يذكر “غازي لحمر”، وكيل وزارة الثروة السمكية لقطاع الإنتاج والتسويق في عدن، جملة من العوامل التي تزيد الطين بلة:
- الارتفاع الجنوني في كلفة التشغيل: غلاء أسعار الوقود (الديزل والبنزين) اللازم لتشغيل قوارب الصيد، فضلاً عن ارتفاع أسعار شباك وأدوات الصيد.
- ضعف البنية التحتية: الافتقار إلى التجهيزات الأساسية لحفظ الأسماك (مثل مصانع الثلج وثلاجات التبريد المركزية)، مما يؤدي إلى تلف كميات كبيرة من الصيد قبل وصولها للأسواق.
- التقلبات الجوية: التغيرات المناخية واشتداد الرياح الموسمية التي تعيق نزول القوارب الصغيرة إلى عرض البحر.
“ترهيب متعمد” ومقابر مائية: الثمن البشري للأسماك
لا يقتصر أثر الصراع على التبعات الاقتصادية، بل يمتد ليكون دموياً ومرعباً بالنسبة لمن يجازفون بأرواحهم في البحر. يرى بعض المراقبين والمحليين أن ما يتعرض له قطاع الصيد البحري ليس مجرد “أضرار جانبية” للحرب، بل هو فعل قد يبدو “متعمداً” لتدمير مقومات الحياة، حيث يُعد الصيد المهنة الرئيسية لآلاف الأسر في مدن الشريط الساحلي الغربي لليمن.
في شهادة مأساوية، يروي رئيس جمعية الصيادين بمدينة الخوخة، “فؤاد دوبلة”، تفاصيل كارثة حلت بالصيادين في جزيرة حنيش. يقول دوبلة: “إن أكثر من 120 صياداً يمنياً وصلوا إلى الخوخة بعد إجلائهم من جزيرة حنيش أواخر أغسطس، إثر قصف استهدف مرسى الصيادين هناك، ما أسفر عن إصابة 6 منهم واحتراق وتدمير 12 قارباً بالكامل”.
تكمن الكارثة في أن هؤلاء الصيادين الـ 120 يعيلون نحو 150 أسرة. تدمير قواربهم، التي تمثل رأس مالهم الوحيد، يعني حرمان مئات الأفراد من مصدر دخلهم ورميهم في براثن الجوع والبطالة. وتزداد الصورة قتامة مع انتشار الألغام البحرية العشوائية، التي حولت مساحات واسعة من البحر الأحمر إلى حقول موت عائمة، أودت بحياة العديد من الصيادين ومزقت شباكهم وقواربهم.
وفي ظل هذا الوضع المأساوي، تتبادل أطراف النزاع الاتهامات. فبينما تُحمل الحكومة المعترف بها دولياً الحوثيين مسؤولية نشر الألغام واستهداف المرافئ، يرد الحوثيون بتوجيه الاتهامات لقوات التحالف بقيادة السعودية، محملين إياها مسؤولية المخاطر التي يتعرض لها الصيادون في المياه الإقليمية، وفقاً لتصريحات مسؤولي موانئ منطقة البحر الأحمر في الحديدة.
الخلاصة: متى تعود الحياة لشواطئ اليمن؟
إن أزمة الأسماك في اليمن ليست أزمة نقص في الموارد الطبيعية، بل هي نتيجة حتمية لانهيار منظومة الأمن والاستقرار. عندما تطال نيران الحرب البحر، فإنها لا تقتل الأسماك فحسب، بل تقتل معها آمال وأرزاق آلاف الأسر التي لا تعرف مهنة سوى ركوب الأمواج.
استمرار التوترات في البحر الأحمر واستهداف البنية التحتية للإنزال السمكي يعني أن أسعار الأسماك ستستمر في الارتفاع، وأن موائد اليمنيين ستظل تفتقد إلى هذا المكون الغذائي الأساسي. حل هذه الأزمة لا يكمن في حلول اقتصادية ترقيعية، بل يبدأ بإنهاء مسببات الخطر في المياه الإقليمية، وتوفير حماية حقيقية للصيادين، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، ليعود لـ”سوق الحراج” في عدن ضجيجه المليء بالحياة، وللبحر خيره الذي لا ينضب.



