تفاصيل قرار إقامة 10 سنوات لمن سُحبت جنسيتهم الكويتية: الرسوم، الشروط، والاستثناءات

في خطوة تنظيمية لافتة تحمل أبعاداً قانونية واجتماعية عميقة، أصدرت وزارة الداخلية الكويتية تعديلات جوهرية على اللائحة التنفيذية لقانون إقامة الأجانب. هذا التعديل الجديد جاء ليضع إطاراً قانونياً واضحاً ومستقراً لفئة محددة شهدت تغييراً جذرياً في وضعها القانوني؛ وهي الفئة التي صدر بحقها مرسوم بسحب الجنسية الكويتية. من خلال منح إقامة 10 سنوات لمن سُحبت جنسيتهم الكويتية، تسعى الحكومة الكويتية إلى الموازنة بين قراراتها السيادية المتعلقة بالجنسية، وبين الحفاظ على الاستقرار الأسري والاجتماعي لهذه العائلات التي عاشت لعقود داخل النسيج الكويتي.
القرار الذي أصدره النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، الشيخ فهد اليوسف، ونُشر رسمياً في جريدة «الكويت اليوم»، لم يكتفِ بتحديد مدة الإقامة فحسب، بل تطرق إلى أدق التفاصيل المعيشية؛ بدءاً من حق العمل، مروراً برسوم الالتحاق بعائل المخفضة بشكل استثنائي، وصولاً إلى استثناءات السفر والبقاء خارج البلاد. في هذا التحليل الشامل، نغوص في تفاصيل هذا القرار، ونفكك بنوده لنفهم كيف سيعاد تشكيل الحياة القانونية واليومية للمشمولين به.
من هم المشمولون بقرار الإقامة الجديدة تحديداً؟
لفهم القرار بشكل دقيق، يجب تحديد الفئة المستهدفة. نصت التعديلات الجديدة على أن الإقامة العادية التي تصل مدتها إلى 10 سنوات تُمنح للفئات التالية:
- المسحوبة جنسيتهم أصلياً: الأشخاص الذين صدر بحقهم مرسوم أميري صريح بسحب الجنسية الكويتية لأي سبب من الأسباب القانونية الموجبة لذلك.
- المسحوبة جنسيتهم بالتبعية: وهم الأفراد (كالزوجة والأبناء) الذين اكتسبوا الجنسية الكويتية تبعاً للشخص الذي سُحبت منه، وبالتالي سقطت عنهم الجنسية بالتبعية.
- العائدون لجنسياتهم الأصلية أو أخرى: يشترط القرار أن تشمل هذه الإقامة من قاموا بتصحيح أوضاعهم وعادوا إلى جنسيتهم الأجنبية الأصلية (التي كانوا يحملونها قبل الحصول على الجنسية الكويتية)، أو أولئك الذين تمكنوا من الحصول على جنسية دولة أخرى.
الامتيازات القانونية والمهنية: إعفاءات وحق العمل
التحول من مواطن إلى مقيم أجنبي يحمل معه عادة تبعات مالية وقيوداً مهنية صارمة وفقاً لقانون إقامة الأجانب العادي. ومع ذلك، وفر هذا القرار “مظلة استثنائية” لتخفيف حدة هذا التحول:
- الإعفاء التام من الرسوم الأساسية: بحسب النص المنشور، تُمنح الإقامة الممتدة لعشر سنوات لهذه الفئة “من دون رسوم” للإصدار الأساسي، مما يرفع عبئاً مالياً كبيراً عن كاهل أرباب الأسر.
- التصريح بالعمل: من أهم مكتسبات هذا القرار هو السماح الصريح لهذه الفئة بالعمل داخل السوق الكويتي. هذا يعني أن سحب الجنسية لا يعني قطع الأرزاق أو المنع من مزاولة المهن، بل سيتم السماح لهم بالانخراط في سوق العمل وفقاً لضوابط وآليات ستحددها الإدارة العامة لشؤون الإقامة بالتنسيق مع الجهات المعنية (مثل الهيئة العامة للقوى العاملة).
لمّ الشمل العائلي: هيكلة جديدة لرسوم “الالتحاق بعائل”
تُعد رسوم “الالتحاق بعائل” من أكثر الملفات الشائكة للمقيمين في الكويت. وقد أدرك المشرّع الكويتي أن تطبيق الرسوم العالية على عائلات فقدت للتو امتيازات المواطنة قد يؤدي إلى تفكك أسري. لذلك، جاءت المادة المتعلقة برسوم الالتحاق بعائل بتقسيم استثنائي ومرن يعكس نظرة إنسانية واضحة.
حدد القرار هيكل الرسوم للمشمولين بأحكام الإقامة الجديدة على النحو التالي:
| درجة القرابة (للمشمولين بالقرار) | الرسوم السنوية للإقامة (للفرد الواحد) | ملاحظات |
|---|---|---|
| الزوج، الزوجة، الأبناء، الأم، الأب (القرابة من الدرجة الأولى) | 10 دنانير كويتية فقط | رسم رمزي يهدف للحفاظ على كيان الأسرة النواة والممتدة المباشرة. |
| صلات القرابة الأخرى (الإخوة، الأخوات، إلخ) | 300 دينار كويتي | رسم قياسي يطبق على الأقارب من الدرجات الأبعد للحد من استغلال التسهيلات. |
وضع العمالة المنزلية: معاملة استثنائية
لم يغفل القرار عن التفاصيل اليومية لحياة هذه الأسر، ومنها تنظيم وجود العمالة المنزلية. في الوضع الطبيعي، تختلف رسوم وضوابط كفالة العمالة المنزلية للأجنبي عنها للمواطن الكويتي.
لكن القرار نص صراحة على معاملة العمالة المنزلية (المسجلة على كفالة المشمولين بهذه الإقامة الجديدة) بالرسوم ذاتها المطبقة على العمالة المنزلية المكفولة من قبل الأسرة الكويتية. وهذا الاستثناء لا يشمل فقط من عادوا لجنسيات أجنبية عامة، بل نص القرار تحديداً على شمول “الخليجيين الذين سُحبت جنسيتهم الكويتية وعادوا إلى جنسيتهم الأصلية” بهذا الامتياز، مما يسهل عليهم الاحتفاظ بعمالتهم المنزلية دون تكبد رسوم الكفالة التجارية الباهظة المفروضة على الوافدين.
تجاوز عقبة “الستة أشهر”.. من هم المستثنون من إلغاء الإقامة؟
تنص المادة 37 من اللائحة التنفيذية لقانون إقامة الأجانب في الكويت على قاعدة صارمة: “تُسقط إقامة الأجنبي تلقائياً إذا بقي خارج حدود دولة الكويت لمدة تزيد عن ستة أشهر متواصلة”. هذه المادة كانت تشكل هاجساً للمقيمين الدائمين.
جاء القرار الجديد ليحدث اختراقاً هاماً في هذه المادة، مستثنياً عدة فئات من هذه القاعدة، مما يتيح لهم البقاء في الخارج لمدد أطول دون الخوف من فقدان إقامتهم (طالما أن صلاحية الإقامة نفسها لا تزال سارية). وشملت قائمة المستثنيين:
- الحاصلون على الإقامة الجديدة (المادة 7 مكرر): أي الفئة التي سُحبت جنسيتها وتحدثنا عنها سلفاً.
- أبناء المواطنة الكويتية: وتحديداً أبناء الكويتية المتزوجة من غير كويتي، والذين لم يحصلوا على الجنسية الكويتية بالتبعية. هذا يحمي حقوق أبناء المواطنات الدارسين أو العاملين في الخارج.
- ملّاك العقارات في الكويت: تشجيعاً للاستثمار العقاري، يُسمح للمالك الأجنبي بحرية التنقل دون التقيد بشرط الستة أشهر.
- المستثمرون الكبار: المستثمرون الذين تنطبق عليهم الشروط والضوابط الخاصة التي يحددها مجلس الوزراء الكويتي.
علاوة على ذلك، ترك القرار باباً مفتوحاً للحالات الإنسانية والعملية الأخرى، حيث أجاز لـ “الإدارة العامة لشؤون الإقامة” منح إذن رسمي بالغياب لمدة تتجاوز ستة أشهر وفق شروط محددة.
ماذا عن سفر العمالة المنزلية؟
في مقابل هذه التسهيلات، كان القرار صارماً فيما يخص العمالة المنزلية. فقد أبقى على المدة القصوى لبقاء العامل المنزلي خارج الكويت محددة بـ أربعة أشهر فقط. إذا تجاوز العامل هذه المدة دون الحصول على “إذن مسبق بالغياب” من شؤون الإقامة، يسقط حقه في الإقامة وتُلغى تلقائياً.
قراءة تحليلية: لماذا هذا القرار وفي هذا التوقيت؟
إن إقرار إقامة 10 سنوات لمن سُحبت جنسيتهم الكويتية يعكس رؤية حصيفة من صانع القرار الأمني والسياسي في الكويت. فعملية سحب الجنسية، التي تزايدت وتيرتها مؤخراً ضمن إطار مراجعة ملفات الجنسية وتطبيق القانون على المخالفين (حالات التزوير أو الازدواجية)، تخلق واقعاً ديموغرافياً وقانونياً جديداً لأشخاص ولدوا وعاشوا طيلة حياتهم في الكويت.
تحويل هؤلاء فجأة إلى “مخالفي إقامة” كان سيخلق أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية (مثل سحب أرصدة، إغلاق شركات، تسريح من العمل). جاء هذا القرار ليعمل كـ “منطقة عبور آمنة” (Buffer Zone). فهو يحقق سيادة الدولة في تطبيق قانون الجنسية، وفي الوقت ذاته يحترم حقوق الإنسان ويمنح هذه العائلات الاستقرار الكافي لإعادة ترتيب أوراقهم القانونية والمالية بصفتهم مقيمين أجانب يتمتعون بحقوق العمل والتنقل تحت مظلة القانون الكويتي.
الخطوات القادمة: دور الإدارة العامة لشؤون الإقامة
أوكل القرار في مادته الأخيرة مسؤولية التنفيذ العملي إلى وكيل وزارة الداخلية والمدير العام للإدارة العامة لشؤون الإقامة. وتقع على عاتق هذه الإدارة الآن مهام حيوية تتمثل في:
- إصدار التعاميم الداخلية للموظفين حول كيفية تحويل صفة المشمولين من مواطنين إلى مقيمين استثنائيين.
- تحديد النماذج والوثائق المطلوبة (جواز السفر الأجنبي الجديد) لتثبيت هذه الإقامة.
- وضع الضوابط التفصيلية للسماح لهم بالعمل في القطاعين الخاص والعام.
مع دخول هذا القرار حيز التنفيذ فور نشره في الجريدة الرسمية، تطوي الكويت صفحة من الترقب، وتفتح مساراً قانونياً جديداً يضمن سيادة القانون بلمسة من الواقعية الاجتماعية، مؤكدة أن تنظيم إقامة الأجانب يمكن أن يكون أداة فعالة لتحقيق الاستقرار والأمن المجتمعي في آن واحد.


