تقارير وتحليلات

قمة القاهرة: هل يدفع تصعيد البحر الأحمر نحو بناء تحالف عسكري مصري سعودي؟

تتجاوز زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى القاهرة حدود البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، لتأتي في توقيت إقليمي يوصف بـ “شديد الانفجار”. فمع تصاعد أعمدة الدخان على ضفتي البحر الأحمر، وازدياد وتيرة التصعيد الحوثي المدعوم إيرانياً، تجد الرياض والقاهرة نفسيهما أمام تهديد وجودي مشترك يمس العصب الاقتصادي والأمني للبلدين.

هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تكتفي مصر والسعودية بالتنسيق السياسي التقليدي، أم أننا أمام مرحلة جديدة تشهد صياغة “عقيدة ردع مشتركة” تعيد ترتيب منظومة الأمن القومي العربي بالكامل؟

الخطر المزدوج: من باب المندب إلى قناة السويس

لم يعد التمدد الإيراني عبر أذرعه في المنطقة، وتحديداً جماعة الحوثي، مجرد أزمة يمنية داخلية، بل تحول إلى خنق استراتيجي للمصالح العربية. السيطرة الفعلية أو التهديد المستمر لمضيق باب المندب، بالتزامن مع النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، يضع الملاحة الدولية في كماشة.

بالنسبة للقاهرة، هذا التصعيد يمثل ضربة مباشرة لـ قناة السويس، الشريان الحيوي للاقتصاد المصري. وبالنسبة للرياض، فهو تهديد مباشر لأمنها القومي وتجارتها ومسار صادراتها النفطية. هذا التطابق في حجم الضرر يجعل التنسيق بين القيادتين ليس خياراً، بل ضرورة حتمية للبقاء والمواجهة.

ما وراء الدبلوماسية: خيارات “الردع” والتنسيق العسكري

تشير التحليلات وقراءات صناع القرار في مصر إلى أن المباحثات المغلقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي تتجه نحو ملفات أكثر خشونة. وتبرز في هذا السياق عدة مسارات محتملة:

  • تفعيل ميثاق مكة: إعادة إحياء وثيقة الدفاع المشترك لحماية أمن البحر الأحمر وضمان حرية الملاحة.
  • بناء قوة ردع: التفكير الإستراتيجي في تأسيس قدرة ردع عسكرية مشتركة قادرة على تحجيم نفوذ المليشيات المدعومة من إيران، حتى وإن لم يتم الإعلان عن تفاصيل هذه الترتيبات علناً.
  • المسار المزدوج (الوساطة أو الحسم): تبحث الرياض عن حسم للأزمة اليمنية التي تفاقمت مؤخراً. وتلعب مصر دوراً محورياً هنا؛ إما كطرف وازن في مفاوضات التهدئة، أو كشريك إستراتيجي في حال اللجوء لخيار الردع العسكري الحاسم.

ملء الفراغ: صياغة نظام عربي جديد

تمر منطقة الشرق الأوسط بحالة من “السيولة السياسية والإستراتيجية”. وفي ظل تباين الرؤى، أو التراجع النسبي، في الموقف الأمريكي تجاه كيفية التعامل مع الحوثيين لحماية أمن الخليج، أدركت المملكة العربية السعودية ضرورة الاعتماد على العمق العربي.

يأتي التقارب المصري السعودي ليمثل حجر الأساس في بناء نظام عربي جديد وأكثر تماسكاً. دور القاهرة هنا يتجاوز الدعم المباشر، ليصل إلى هندسة العلاقات العربية-العربية، وتصفية الأجواء الإقليمية (بما في ذلك تقريب وجهات النظر بين الرياض وأبوظبي إن لزم الأمر)، لضمان جبهة موحدة قادرة على مواجهة التحديات من اليمن جنوباً، مروراً بالسودان وليبيا، وصولاً إلى غزة.

الاقتصاد كدرع حماية: استثمارات تتجاوز الأزمات

لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. التحالف الإستراتيجي المتين يتطلب شبكة مصالح اقتصادية معقدة تجعل أمن البلدين وحدة واحدة. لذا، تحتل الملفات الاقتصادية والاستثمارية مساحة واسعة من الزيارة.

من المتوقع أن تفتح هذه القمة الباب أمام ضخ استثمارات متبادلة وتكامل في قطاعات حيوية مثل الطاقة، النفط، الغاز، الصناعة، والسياحة. هذا التشابك الاقتصادي يضمن ديمومة التحالف السياسي ويوفر الغطاء المالي المطلوب لمواجهة الارتدادات الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية المحيطة.

الخلاصة: خريطة طريق لمرحلة ما بعد الأزمة

إن التوافق المصري السعودي في هذه اللحظة التاريخية يمثل صمام الأمان الأخير لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى الممرات المائية والمشاريع الإقليمية التوسعية. زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة لا تركز فقط على إطفاء حرائق اللحظة الراهنة، بل تضع خريطة طريق سياسية وعسكرية مشتركة، تؤسس لردع كل من تسول له نفسه المساس بأمن البحر الأحمر، وتعلن بوضوح أن أمن الخليج وأمن مصر هما جبهة واحدة لا تقبل الاختراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى