تقارير وتحليلات

شريان حياة لمنتجي الزراعة.. هل يحول “أسطول الميثانول” الإيثانول إلى وقود السفن القادم؟

في وقت يبحث فيه قطاع الشحن البحري العالمي عن مسارات عمليّة لتقليل انبعاثات الكربون دون التضحية بالجدوى الاقتصادية، برزت مفاجأة تقنية واستثمارية قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة البحرية؛ تتمثل في اعتماد الإيثانول كوقود بديل مباشر داخل الأسطول الحديث المخصص للعمل بالميثانول. هذا التحول لا يمنح شركات الشحن مرونة تشغيلية فحسب، بل يفتح لمنتجي الإيثانول والمزارعين منفذاً استراتيجياً هائلاً للطلب لم يكن بالحسبان.

ولم يعد هذا المسار مجرد تجارب داخل المختبرات، بل انتقل رسمياً إلى واقع التجارة البحرية الدولية؛ حيث شهدت الأيام الماضية أول عملية تجارية لتزويد سفينة حاويات عملاقة بالإيثانول في الولايات المتحدة. فهل نكون أمام تحول جذري يزيح الوقود التقليدي، وما هي المزايا الفنية والاقتصادية التي تجعل الإيثانول خياراً متفوقاً على الميثانول نفسه؟

الأرقام والأسطول المستهدف: قراءة في دراسة “روكي ماونتن”

سلطت دراسة حديثة أعدها مختبر روكي ماونتن الوطني الأميركي (RMI) بتوجيه من مجموعة “غروث إنرجي غروب” المعنية بصناعة الإيثانول، الضوء على الحجم المستقبلي الشاسع لهذا السوق. وأوضحت الدراسة، التي كشفت عنها منصة الطاقة المتخصصة، أن الأسطول الحالي من السفن القابلة للعمل بالميثانول قادر على استيعاب كميات ضخمة من الوقود الحيوي الزراعي.

وتتلخص الأرقام والتقديرات الواردة في الدراسة والمحللة عبر تقارير “إس آند بي غلوبال” فيما يلي:

  • حجم الاستهلاك المتوقع: قد يستهلك أسطول الميثانول ما يقرب من 2 مليار غالون (7.57 مليار لتر) من الإيثانول سنوياً في حال تشغيله بهذا الوقود بشكل أساسي (مع العلم أن الغالون = 3.78 لترًا).
  • حجم الأسطول المستهدف: يتراوح حالياً بين 112 و120 سفينة تعمل بنظام الوقود المزدوج، بقدرة استهلاك إجمالية تصل إلى نحو 6 ملايين طن متري من الإيثانول سنوياً.
  • معادلة التشغيل: استندت الحسابات إلى فرضية متوسط استهلاك يبلغ 100 طن متري يومياً من الوقود البحري التقليدي بالسفينة الواحدة، على مدار 330 يوم تشغيل سنوياً.
  • سياق السوق العالمي: بلغ الاستهلاك العالمي لوقود السفن نحو 259 مليون طن في عام 2023 (وفق تقارير المنظمة البحرية الدولية المعدلة)، في حين لم يتجاوز حصة الوقود البديل نسبة 0.5% بين عامي 2021 و2023، مما يعكس حجم الفجوة والفرصة المتاحة.

ورغم أن هذه الحسابات تعبر عن سيناريو يعتمد على معدلات استبدال عالية وليس توقعاً نهائياً للطلب المباشر، إلا أنها تكشف عن الطاقة الاستيعابية الجاهزة في السوق.

التفوق التقني والحراري: لماذا ينافس الإيثانول قوة الميثانول؟

تكمن النقطة الجوهرية في إمكانية استخدام الإيثانول على نطاق واسع داخل السفن دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية؛ نظرًا للتشابه الكيميائي الكبير بين الوقودين الكحوليين. وتظهر الاختبارات التي أجرتها كبرى شركات تصنيع المحركات البحرية مثل فارتسيلا (Wärtsilä)، وين جي دي (WinGD)، وإيفرلنس (Everllence)، أن المحركات المصممة للميثانول يمكنها التشغيل بالإيثانول مع تغييرات طفيفة أو معدومة في المكونات.

وتُبرز المعطيات الفنية تفوقاً ملموساً للإيثانول في عدة جوانب تشغيلية وبيئية:

وجه المقارنة الفنيالإيثانول (Ethanol)الميثانول (Methanol)الإنعكاس التشغيلي على السفينة
القيمة الحرارية المنخفضة (LHV)26.9 ميغاجول / كغم19.9 ميغاجول / كغممحتوى طاقة أعلى بالإيثانول بنسبة 35%، مما يعني استهلاك كمية وقود أقل.
حجم التخزين مقارنة بالديزل البحرىيحتاج مساحة أكبر بـ 1.8 مرةيحتاج مساحة أكبر بـ 2.4 مرةتوفير مساحة مساحة تخزين أكبر على متن السفينة لزيادة مدى الإبحار.
الخصائص البيئية والسلامةأقل سمّية وتآكلاً، ويتحلل بيولوجياً أسرع بالماءأعلى سمّية وشدة للتآكل في الخزاناتمخاطر أقل على البيئة البحرية في حال حدوث انسكابات مائية.
متطلبات اشتعال الخزاناتدرجة اشتعال 14° مئوية (تتطلب نيتروجين وتهوية)درجة اشتعال منخفضة متقاربة متطلبات السلامةتتطلب كلاهما أنظمة كشف للحرائق ومعالجة خاصة على متن السفن.

وقد أثبتت التجربة الميدانية هذا التحول؛ حيث تطورت التجارب التي أُجريت على متن السفينة الشهيرة “لورا ميرسك” (Laura Maersk) من مزيج بنسبة 10% إيثانول وميثانول في أواخر عام 2025، لتصل إلى 50% إيثانول، ثم إلى استخدام 100% إيثانول مُحَوَّر في أوائل عام 2026.

الواقع التجاري: سابقة “ميرسك” والتسعير الاقتصادي

لم يعد التوجه مجرد أوراق بحثية، بل تُوج بتاريخ 28 سبتمبر الماضي بحدث تجاري فارق؛ حيث أعلنت شركة إيه بي مولر – ميرسك (A.P. Moller – Maersk) إتمام أول عملية تجارية لتزويد سفينة حاويات مخصصة للملاحة في أعالي البحار بالإيثانول من سفينة أخرى (Ship-to-Ship) داخل الولايات المتحدة.

وتمت العملية بتزويد السفينة “تانجير ميرسك” (Tangier Maersk) بإيثانول الذرة المُنتج محلياً بنسبة 100%، في خطوة تفتح مسارات تجارية جديدة للسلع الزراعية الأمريكية لتدخل مباشرة ضمن سلاسل توريد الوقود البحري العالمي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهرت المقارنة المالية -المستندة إلى بيانات يونيو ومايو 2026- توازناً استراتيجياً للإيثانول في معادلة الأسعار:

  • الإيثانول مقابل الوقود التقليدي: بلغ سعر الإيثانول 666 دولاراً للطن (ما يعادل 1064 دولاراً للطن عند احتسابه على أساس مكافئ الطاقة لزيت الوقود منخفض الكبريت VLSFO)، مقارنة بـ 744 دولاراً للطن لزيت الوقود المذكور، مما يعني أن الإيثانول أعلى بنسبة 43% تقريباً على أساس الطاقة.
  • الإيثانول مقابل الميثانول الأخضر: في منتصف مايو 2026، سجل سعر الميثانول الأخضر في ميناء روتردام 988 دولاراً للطن (ما يعادل 2033 دولاراً للطن بعد تعديل السعر بناءً على محتوى الطاقة)، وهو ما يعادل تقريباً ضعف سعر الإيثانول عند المقارنة على أساس مكافئ الطاقة.
  • مؤشرات الأسعار الحديثة: قيَّمت منصة “بلاتس” أسعار الإيثانول المستخدم كوقود في آسيا بارتفاع قدره 8 دولارات للمتر المكعب لتصل إلى 681.67 دولاراً للمتر المكعب تسليم الفلبين في نهاية سبتمبر، بالتزامن مع تذبذب العقود الآجلة للوقود في الولايات المتحدة فوق مستويات 2 دولار للغالون لتسجل 2.20 دولاراً لشهور أكتوبر ونوفمبر.

التحديات التنظيمية والبنية التحتية المطلوبة

رغم هذه الفرص الواعدة، يقف التبني التجاري الواسع للإيثانول أمام عقبات واضحة تجري معالجتها عالمياً عبر محاور متعددة:

  • المعايير الدولية والتنظيم: بينما تغطي إرشادات السلامة المؤقتة الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO) استخدام الإيثانول على السفن المجهزة، تعكف المنظمة الدولية للمقاييس (ISO) على تطوير معيار رسمي مخصص وهو ISO 6583-2 والمتوقع نشره بحلول عام 2027.
  • حسابات انبعاثات دورة الحياة: يتطلب التوسع اعتماد نظام دولي معترف به لحساب انبعاثات غازات الدفيئة طوال دورة حياة المنتج (Lifecycle GHG)، حيث يُنظر حالياً في 3 مسارات محددة للإيثانول.
  • البنية التحتية للتزويد: تمتلك الموانئ الرئيسية سعات تخزينية لواردات وصادرات الإيثانول، إلا أن القطاع يفتقر حالياً لأسطول سفن مخصصة للتزويد بالوقود (Bunkering Vessels) وسلاسل إمداد موثوقة ومباشرة على مستوى الموانئ.

الخلاصة في نقاط

  • سوق جديدة لمنتجي الإيثانول: أسطول الميثانول الحالي (112-120 سفينة) قد يستهلك نحو 2 مليار غالون (6 ملايين طن) إيثانول سنوياً.
  • أفضلية تقنية وحرارية: يتفوق الإيثانول على الميثانول بكثافة طاقة أعلى بـ 35%، وحجم تخزين أقل (1.8 مرة مقابل 2.4 مرة مقارنة بالديزل).
  • توافق المحركات: تعمل محركات الميثانول الحديثة بالإيثانول دون تغييرات جوهرية، كما أثبتت تجارب “لورا ميرسك” والسفينة “تانجير ميرسك”.
  • تنافسية التكلفة: الإيثانول أغلى من زيت الوقود التقليدي منخفض الكبريت بنسبة 43%، لكنه أرخص بنحو النصف مقارنة بالميثانول الأخضر على أساس مكافئ الطاقة.
  • الأفق التنظيمي: اكتمال الإطار التنظيمي مرهون بصدور معيار ISO 6583-2 في عام 2027 وتطوير أسطول سفن التزويد بالوقود.

تُظهر هذه التحولات الميدانية والتحليلات الرقمية أن الإيثانول لم يعد مجرد وقود حيوي للسيارات، بل أضحى مرشحاً بارزاً لقيادة مرحلة الانتقال في أعالي البحار. كيف ترى قدرة سلاسل الإمداد الزراعية على تلبية طلب الشحن البحري دون التأثير على أسواق الغذاء العالمية؟ شاركنا برأيك وتحليلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى