مسؤول سعودي لـ”رويترز”: المملكة تعتزم تعزيز العلاقات التجارية مع لبنان قريباً — صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية العربية

في مؤشر جديد على دفء العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية ولبنان، كشف مسؤول سعودي رفيع المستوى لوكالة الأنباء العالمية “رويترز” أن الرياض تعتزم اتخاذ خطوات وشيكة لتعزيز العلاقات التجارية مع بيروت خلال الفترة المقبلة، بعد أن أظهرت السلطات اللبنانية “فعالية واضحة” في مكافحة تهريب المخدرات، وهو الملف الذي كان أحد أبرز أسباب الخلاف بين البلدين خلال السنوات الماضية.
عودة تدريجية في العلاقات الاقتصادية بعد سنوات من الجمود
منذ عام 2021، تدهورت العلاقات التجارية بين السعودية ولبنان إلى أدنى مستوياتها عقب إعلان المملكة حظرًا شاملًا على الواردات اللبنانية، بعد ضبط شحنات ضخمة من مادة الكبتاجون المهربة داخل شحنات الفواكه والخضروات اللبنانية.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول تدريجي في الموقف السعودي، خصوصًا بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لوقف تهريب المواد المخدرة عبر أراضيها، وفرض رقابة مشددة على الحدود والموانئ.
وقال المسؤول السعودي، الذي رفض الكشف عن اسمه، إن “المملكة ستتخذ خطوات وشيكة لتعزيز العلاقات التجارية مع لبنان”، مضيفًا أن وفدًا سعوديًا رسميًا سيزور بيروت قريبًا لإجراء مشاورات مباشرة مع الحكومة اللبنانية حول آليات إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، وتسوية الملفات العالقة التي تعيق حركة الصادرات بين البلدين.
إشادة سعودية بالجهود اللبنانية في مكافحة التهريب
بحسب التصريحات، أبدت السعودية ارتياحًا واضحًا لما وصفته بـالتحسن الملحوظ في أداء الأجهزة الأمنية اللبنانية خلال الأشهر الماضية في مجال مكافحة التهريب، وخاصة تهريب الكبتاجون الذي كان يُنتج في مناطق حدودية بين لبنان وسوريا.
وقال المصدر السعودي: “لقد أظهرت الحكومة اللبنانية والقوات الأمنية فعالية في الحد من صادرات المخدرات خلال الأشهر الأخيرة، ونحن نقدر هذه الجهود، ونعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة الثقة بين البلدين.”
ويُنظر إلى هذا التصريح على أنه مؤشر سياسي واقتصادي مزدوج، إذ يعكس رغبة المملكة في إعادة بناء جسور التعاون مع لبنان بعد سنوات من الفتور، كما يعكس استعداد بيروت للعودة إلى محيطها العربي من خلال التزامات أمنية واقتصادية واضحة.
خلفية التوتر: من حظر الواردات إلى بوادر التقارب
في عام 2021، فرضت السعودية حظرًا شاملًا على استيراد السلع اللبنانية، بعد اكتشاف أكثر من خمسة ملايين حبة كبتاجون مخبأة داخل شحنات فواكه لبنانية متجهة إلى أراضي المملكة.
وجاءت تلك الحادثة ضمن سلسلة من التوترات السياسية التي رافقت تدهور العلاقات بين بيروت وعدة عواصم خليجية، على خلفية تصاعد نفوذ حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية، واتهامات بتورط عناصر مقربة منه في دعم شبكات تهريب المخدرات.
لكن خلال العامين الماضيين، بدأت الحكومة اللبنانية، بتوجيه من الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، في تنفيذ خطة أمنية واقتصادية مشتركة للحد من عمليات التهريب، تضمنت تعزيز الرقابة الجمركية على المرافئ والمطارات، وإطلاق حملات ملاحقة للتجار المتورطين في تصنيع الكبتاجون وتهريبه.
وقد لاقت هذه الجهود ترحيبًا حذرًا من الجانب السعودي، قبل أن تتحول مؤخرًا إلى خطوات ملموسة لإعادة التعاون التجاري.
الزيارات الدبلوماسية تمهد لتقارب فعلي
في يناير الماضي، قام وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بزيارة رسمية إلى بيروت، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من 15 عامًا على مستوى وزير الخارجية، حيث أجرى مباحثات مطولة مع كبار المسؤولين اللبنانيين، شملت ملفات الأمن والاقتصاد والاستثمار.
وتُعد هذه الزيارة إشارة مهمة على عودة الدفء التدريجي إلى العلاقات الثنائية.
كما زار الرئيس اللبناني جوزاف عون العاصمة الرياض في مارس 2025، في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، ناقش خلالها مع خادم الحرمين الشريفين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان سبل تطوير العلاقات الثنائية، وفتح مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري من جديد.
وتشير مصادر اقتصادية إلى أن هذه اللقاءات الدبلوماسية أسست لأرضية مشتركة تُمهّد لمرحلة جديدة من التعاون، خصوصًا في قطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية.
الاقتصاد اللبناني في حاجة ماسة إلى الدعم الخليجي
يواجه لبنان منذ عام 2019 واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث انهار النظام المصرفي، وتراجعت قيمة العملة الوطنية بشكل غير مسبوق، فيما تجاوزت معدلات البطالة 35%.
وفي ظل هذا الواقع الصعب، يشكل أي انفتاح اقتصادي مع السعودية فرصة حيوية لإنعاش الاقتصاد اللبناني الذي يعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية من دول الخليج، وعلى الصادرات الزراعية والغذائية إلى الأسواق الخليجية.
وقد أشار تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد اللبنانية إلى أن السوق السعودي كان الوجهة الأولى للمنتجات الزراعية اللبنانية حتى عام 2021، إذ كانت صادرات الفواكه والخضروات اللبنانية إلى السعودية تبلغ أكثر من 300 مليون دولار سنويًا.
وبالتالي، فإن إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية سيعيد شريان حياة أساسياً للاقتصاد اللبناني، ويخلق آلاف فرص العمل في قطاعي الزراعة والتجارة.
الجانب السعودي: رؤية اقتصادية وشروط واضحة
بحسب مصادر اقتصادية مطلعة، فإن الرياض تضع شروطاً صارمة لعودة العلاقات التجارية، أبرزها ضمانات أمنية متبادلة للحد من التهريب، وضمان عدم استخدام الأراضي اللبنانية في أنشطة تهدد أمن الخليج.
كما تسعى المملكة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي ضمن رؤية “الشرق الأوسط الجديد”، التي تقوم على الشراكة والاستقرار والتنمية المشتركة.
ويشير المراقبون إلى أن المملكة تنظر إلى لبنان من زاوية مختلفة هذه المرة، ليس فقط باعتباره بلدًا عربيًا يحتاج إلى دعم، بل كـشريك محتمل في سلسلة الإمداد والتجارة الإقليمية، إذا ما تم ضبط البيئة الاقتصادية والأمنية داخله.
تصريحات لبنانية: “السعودية مفتاح النهوض العربي”
من جانبه، علّق رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على الأنباء التي نقلتها “رويترز”، مؤكدًا أن “عودة العلاقات التجارية مع السعودية تمثل أولوية وطنية للحكومة اللبنانية، وخطوة تعيد الثقة بين بيروت والعواصم الخليجية”.
وأضاف: “نحن ملتزمون بكل الإجراءات الأمنية والقانونية التي تضمن عدم تكرار أي مخالفات تضر بالعلاقات بين البلدين”.
كما شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أن “التعاون مع السعودية ركيزة أساسية لإعادة لبنان إلى محيطه العربي الطبيعي”، مؤكدًا أن بلاده ستواصل العمل من أجل حماية أمن واستقرار الخليج العربي، باعتبار أن أمنه جزء لا يتجزأ من أمن لبنان.
قراءة سياسية: السعودية ترسم توازنًا جديدًا في المنطقة
يرى محللون سياسيون أن إعلان السعودية نيتها تعزيز العلاقات مع لبنان يأتي ضمن تحول استراتيجي أوسع في السياسة الخارجية السعودية، التي باتت تعتمد على الحوار والانفتاح بدل القطيعة.
فبعد الانفراجة في العلاقات مع إيران وسوريا، تأتي خطوة الانفتاح على لبنان كمؤشر إضافي على توجه الرياض نحو ترميم البيت العربي وتعزيز التكامل الإقليمي.
كما يُتوقع أن تسعى السعودية إلى إعادة تأهيل لبنان اقتصاديًا ليكون جزءًا من منظومة التعاون العربي الجديدة، خصوصًا في مجالات إعادة الإعمار والاستثمار في الطاقة والاتصالات.
التحديات التي تواجه التقارب السعودي اللبناني
رغم الأجواء الإيجابية، لا تزال أمام هذا التقارب عقبات جوهرية، أبرزها:
- استمرار نفوذ حزب الله على القرار السياسي والاقتصادي اللبناني.
- تعدد مراكز القوى داخل الحكومة اللبنانية وصعوبة توحيد الموقف الرسمي.
- مخاوف سعودية من تكرار سيناريو تهريب المخدرات تحت غطاء الصادرات التجارية.
- الحاجة إلى آلية رقابة مشتركة بين البلدين تضمن الشفافية وسلامة التبادل التجاري.
ورغم هذه التحديات، يرى المراقبون أن إرادة البلدين قادرة على تجاوزها، خاصة أن المصالح الاقتصادية المشتركة تضغط باتجاه الحلول الدبلوماسية.
آفاق مستقبلية: نحو شراكة اقتصادية عربية جديدة
في ضوء التطورات الأخيرة، من المتوقع أن يشهد عام 2025 سلسلة من الاجتماعات الاقتصادية المشتركة بين الرياض وبيروت، تمهيدًا لإعادة فتح خطوط التصدير، وربما توقيع اتفاقيات استثمارية جديدة.
ومن بين القطاعات المرشحة للتعاون:
- الزراعة والصناعات الغذائية.
- القطاع المصرفي وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
- التبادل السياحي والثقافي.
- المشاريع اللوجستية وموانئ الشحن بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
كما يُتوقع أن تلعب المملكة دورًا قياديًا في دعم خطة النهوض الاقتصادي اللبناني بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي وصندوق النقد الدولي، ضمن إطار عربي شامل يهدف لإعادة التوازن الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
خاتمة: عودة الثقة بين الرياض وبيروت
في المحصلة، يبدو أن صفحة جديدة تُكتب في العلاقات السعودية اللبنانية، عنوانها “الاقتصاد قبل السياسة”.
فالمملكة، التي أثبتت خلال الأعوام الأخيرة أنها قادرة على رسم ملامح التوازن الإقليمي، تمد يدها إلى لبنان مجددًا بشروط واقعية ورؤية طويلة المدى، في حين يرى اللبنانيون في هذا الانفتاح فرصة لإنقاذ اقتصادهم المنهك وإعادة الثقة بالأسواق العربية.
وبين الترقب والآمال، يبقى القرار بيد الطرفين: فإما أن تكون هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة من الشراكة العربية، أو مجرد فصل مؤقت في مسلسل التقلبات الإقليمية.





