واشنطن تحشد حلفاءها الماليين لخنق طهران.. هل تنجح الخزانة الأميركية في عزل إيران تماماً؟

في تحرك استراتيجي متسارع يعكس ضيق الخيارات الدبلوماسية، بدأت الخزانة الأميركية حشداً غير مسبوق لكبرى المؤسسات المالية العالمية بهدف إحكام القبضة على الاقتصاد الإيراني. لم تعد واشنطن تكتفي بفرض العقوبات من جانب واحد، بل انتقلت إلى مرحلة “التنفيذ الجماعي” عبر استهداف الشرايين المالية التي تغذي طهران، مستغلة نفوذ النظام المالي الأميركي كأداة ضغط لا يمكن تجاهلها.
هذا التحرك، الذي يقوده مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة الأميركية، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذه المؤسسات على الالتزام الكامل، والتبعات الحقيقية على طموحات إيران الإقليمية ومصادر تمويل أذرعها، خاصة في ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة.
كواليس التحرك الأميركي: كيف تُقنع واشنطن البنوك العالمية بعزل طهران؟
لم يكن اختيار لندن كمحطة رئيسية لهذا الحشد بمحض الصدفة؛ فهي تعتبر عاصمة مالية عالمية تحتضن مقرات وإدارات إقليمية لكبرى البنوك والمؤسسات الاستثمارية. المعلومات تشير إلى أن والي أديمو، نائب وزيرة الخزانة الأميركية، قاد سلسلة لقاءات حاسمة مع مسؤولين تنفيذيين في مؤسسات مالية كبرى، واضعاً إياهم أمام خيارات واضحة ومباشرة.
الاستراتيجية الأميركية لا تعتمد فقط على “الترغيب” بسلامة النظام المالي العالمي، بل تستند بقوة إلى “الترهيب” من مغبة انتهاك العقوبات الأميركية الثانوية. واشنطن تدرك أن أي مؤسسة مالية ترغب في الوصول إلى المقاصة بالدولار الأميركي لا يمكنها المغامرة بالتعامل، ولو بشكل غير مباشر، مع كيانات إيرانية مدرجة على قوائم الإرهاب، مثل الحرس الثوري الإيراني.
محاور التضييق المالي الجديد
بناءً على المعطيات المتاحة، تركز الخزانة الأميركية في حملتها الحالية على عدة محاور تقنية لضمان فاعلية العقوبات:
- تشديد إجراءات الامتثال (Due Diligence) في التعاملات التي قد تشمل أطرافاً ثالثة واجهة لإيران.
- تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية المالية حول شبكات الالتفاف على العقوبات التي تستخدمها طهران.
- الضغط لسد الثغرات في الأنظمة البنكية المحلية التي قد تستغلها شبكات تمويل غسيل الأموال الإيرانية.
ما وراء الحشد المالي: تجفيف منابع “زعزعة الاستقرار”
الهدف الأميركي المعلن يتجاوز مجرد معاقبة نظام طهران سياسياً؛ فهو يضرب بعمق في قدرته على تمويل نشاطاته العسكرية وأذرعه في المنطقة. واشنطن ترى ارتباطاً مباشراً بين عوائد النفط الإيراني، والتعاملات المالية المصاحبة لها، وبين تمويل الهجمات الأخيرة التي استهدفت حلفاءها، بما في ذلك الهجوم غير المسبوق على إسرائيل.
التحقيق في الشبكات المالية يكشف تعقيدات بالغة؛ حيث تستخدم إيران منظومات صيرفة بديلة وشبكات معقدة من الشركات الوهمية لتمرير الأموال. التحرك الأميركي الحالي يستهدف إجبار البنوك العالمية على التدقيق ليس فقط في هوية العميل المباشر، بل في “المستفيد الحقيقي” من المعاملة المائية، مما يضيق الخناق على الكيانات التابعة للحرس الثوري.
من المتوقع أن تؤدي هذه الضغوط إلى تزايد عزلة إيران عن نظام سويفت المالي العالمي، حتى في المجالات التي لا تشملها العقوبات نظرياً، نظراً لتفضيل المؤسسات المالية “الإفراط في الامتثال” تجنباً لأي مخاطر.
هل سينجح الحصار المالي الجديد في تركيع طهران؟
بينما تبدو الهجمة الأميركية المالية شرسة ومنظمة، تبقى فعاليتها رهن التزام المؤسسات المالية العالمية أولاً، وقدرة إيران على ابتكار طرق جديدة للالتفاف ثانياً. التاريخ القريب يُظهر أن العقوبات القاسية دفعت إيران نحو اقتصاد أكثر انغلاقاً ونحو تعزيز الروابط مع قوى اقتصادية لا تلتزم بالضرورة بالرغبات الأميركية، مثل الصين.
ومع ذلك، فإن نجاح الخزانة الأميركية في حشد المؤسسات المالية العالمية اللندنية، يمثل ضربة قوية لمساعي إيران لتطبيع علاقاتها التجارية، ويضع ضغوطاً هائلة على عملتها المحلية واقتصادها المترنح، مما قد يضطرها في النهاية إلى إعادة حساباتها السياسية والعسكرية في المنطقة.



